قصائد أديب كمال الدين.. حروف احتجاج على عوالم الظلم والضياع والحرب

المراقب العراقي/ يونس جلوب العراف…
يعد الشاعر أديب كمال الدين، واحداً من الذين كتبوا القصيدة بخاصية ليست تقليدية، هي ما يمكن تسميته بالمدرسة الشعرية الحروفية، ولكونه من الذين عاصروا الحروب الصدامية العبثية، فنجد قصائده بمثابة حروف احتجاج على عوالم الظلم والضياع والحرب.
وقال كمال في تصريح خصَّ به “المراقب العراقي”: ان “منشورات ضفاف ومنشورات الاختلاف، تبنت طبع مختارات شعرية حملت عنوان “مختارات حروفية” وقد احتوت على أكثر من 200 قصيدة اخترتها بنفسي من مجاميعي الشعرية التي بلغت ثلاثين مجموعة، والتي تمّ نشرها في المجلدات السبعة من أعمالي الشعرية الكاملة والتي صدرت خلال مسيرتي الشعرية الممتدة الى أكثر من أربعة عقود”.
وأضاف: ان قصائد “مختارات حروفية” هي بمثابة حروف احتجاج على عوالم الظلم والضياع والحروب التي مرت على البلاد طوال الحكم الصدامي، وقد رتبتها على عدد من حروف اللغة العربية، بحيث سيقرأ المتذوق للشعر هذه القصائد على انها حروف تولد المعاني الحقيقية للمعاناة الانسانية.
وأوضح، إن “دور الشاعر كبير في تحقيق روح المحبّة والسلام والوئام للإنسانية في كل مكان من العالم لما له من تأثير على خارطة الأحداث، فهو بوصلة روحية كبيرة تشعّ شمسَ حروفٍ تكتب كلمات السلام وجُمل المحبة وقصائد التأمل في المغزى الحقيقي للحياة، وتنبذ بقوّة وشجاعة، لغةَ التطرف والكراهية والعنف والعنصرية والطائفية بكل صورها وأشكالها وهنا يتجسد الفعل الحقيقي للكلمة في مواجهة كل ذلك”.
وتابع: “لا شك إنّ هذه الرؤية تتطلب ثمناً باهظاً للتمسك بها خاصة لشاعر عاش أغلب عمره في العراق، تحت وطأة المؤسسة الإعلامية للطاغية التي كانت تنظر للشعر على أنه فقط وسيلة «لتثبيت الكرسي» والدفاع عنه حتى النَفَس الأخير. وهذا الامتهان الخطير للشعر سبب طوفاناً من الرداءة الشعرية، العمودية خصوصاً، في عقد التسعينيات عقد الحصار القاسي، والتي اكتسحت الصحف اليومية والمجلات على اختلافها. وقبلها كانت سنوات الحرب العراقية الإيرانية حيث طغت «دواوين المعركة» على كلّ شيء، واضطرت دواوين الوجع الإنساني والروحي إلى التستر والاختفاء، حفاظاً على نفسها وعلى أرواح شعرائها من ظلم الطاغية وزبانيته.
وقد قسّم الشاعر مختاراته إلى أربعة أقسام، ضمّ القسم الأول المعنون «مرايا الحرف» قصائد مثل: شجرة الحروف، أغنية إلى الإنسان، توريث، بعد أن ملك الحروف، ثمّة خطأ، محاولة في أنا النقطة، إنّي أنا الحلّاج، محاولة في الرثاء. وضمّ القسم الثاني المعنون: «إخوتي في الحرف» قصائد مثل: “دموع كلكامش، شهريار وشهرزاد، صديقي تولستوي، لوركا، البياتي، شاعر السيدة السومرية، فيروز. وكان القسم الثالث مخصصا للقصائد الصوفية كموقف المصطفى، محاولة في البهجة، قلب من نور، أنين حرفي وتوسّل نقطتي، إشارة البحر. فيما اختصّ القسم الأخير بقصائد التفعيلة كإشارات التوحيدي، أنا وأبي والمعنى، طلسم”.
كما احتوت المختارات، آراء نقدية لنقاد وأكاديميين من العراق، والجزائر، واليمن، وتونس، وإيران، وأستراليا، من أمثال: عبد القادر فيدوح، عبد العزيز المقالح، حاتم الصكر، حسن ناظم، بشرى موسى صالح، آن ماري سمث، فاضل عبود التميمي، سعد التميمي، غزلان هاشمي، حياة الخياري.
يقول حسن ناظم عن تجربة الشاعر: «النصّ الشعري الذي بدأت به، وانتهت إليه، خبرة الشاعر أديب كمال الدين نصّ يقوم على ما عُرف بالحروفية. وقد كُتب عن هذه الخبرة الشيء الكثير، وأُضيفت دلالات جمّة على رمزيتها، وما هذا الاختلاف في تأويلها سوى علامة على غنى النصّ الشعري والخبرة التي تقوم دعامة لها. وضعت الحروفيةُ الشاعرَ خارج السرب، سرب جيله السبعيني المهموم بالحداثة الشعرية على الطريقة الأدونيسية، فسلك بذلك درباً خاصاً، غامر في استكشافه وحده، وانتهى إلى هذه الغابة المتشابكة من الرموز الحروفية، والسرد المشوّق، والبناء المحكم للنصّ. الحروف التي يطلقها أديب كمال الدين تعبر عن حيوات كاملة، وذوات فريدة، وعوالم نابعة من التخييل المبدع. الحروف احتجاج على عوالم الظلم، والضياع، والحرب، وهي خيّرة وشريرة، حيّة وميّتة، بل هي ألغاز ومفاتيح لفكّ المستغلق من هذه الألغاز نفسها. الحروف أيضاً انسجام وتنافر، إنها التناقض المطلق. وهي، من جهة أخرى، أدوات، ووسائل، وغايات، استعملها الشاعر ليحاول استبيان غموض العالم الداخلي، وغرابة العالم الخارجي، من دون أن يقرر بلوغه الفهم الأخير لكلّ شيء، فكلّ شيء يبقى مفتوحاً ومنفتحاً على المزيد من استعمال هذه الأدوات في البحث الروحي».
أما بشرى موسى صالح فتقول: «في تجربة أديب كمال الدين الحروفيّة نجد أنّ قصيدة النثر العراقية قد شقّت لنفسها، طريقاً أسلوبياً خاصاً وثرياً، وليس هذا حكماً على تجربة الشاعر أو على قصيدة النثر، بل هو توصيف حقيقي ودال يعبّر عن المسارات التي بها استطاعت حروفية الشاعر، أن تمتلك آفاقها الشعرية الفارقة، التي تميزت بها عن سواها من قصائد النثر العراقية، فضلاً عما أكسبته إياها من مستويات أسلوبية مغايرة للمألوف تفتح عين القراءة النقدية صوبها».



