“المخدوعون”.. أول فيلم روائي فلسطيني

ان الحديث عن أوّل فيلم فلسطيني يحتمل نقاشات، تكون لكل منها اعتباراتها ومعاييرها، وان استحالة الحسم في ذلك وتَوازي المقاربات، تجعلان من تسمية هذا الفيلم أو ذاك، أوّلَ فيلم فلسطيني، ذا عمليةً حيوية وفكرية بقدر ما هي ثقافية، تختلف التسميات باختلاف المقاربات.
أولها زماناً هو فيلم العراقي قاسم حوَل «عائد إلى حيفا» (1982) المأخوذ عن رواية غسان كنفاني المعروفة، لا يجد الفيلم مبرراً لتصنيفه فيلماً أوّل، سوى أن جهة الإنتاج له فلسطينية، هي «الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين» من خلال «مؤسسة الأرض للإنتاج السينمائي». هو إذن بموضوع وإنتاج فلسطينيين، مُخرجه عملَ في سينما الثورة، كتب في مجلاتها وصنع أفلاماً نضالية لها، ومثّلها في مهرجانات عالمية، ما يجعل الفيلم، بعناصره كافة، إنتاجاً تاماً للثورة الفلسطينية. هو بذلك مماثل لفيلم كريستيان غازي «مئة وجه ليوم واحد» مع امتياز أن فيلم حوَل روائي تماماً وإن جاء بعد الأول بعقد.
الحجج الجادة في الإجابة عن سؤال حول أول فيلم روائي طويل فلسطيني تنحصر أخيراً في الفيلمين الأسبق لكل المذكور هنا، «مئة وجه ليوم واحد» و”المخدوعون”. الأرجحية تكون للثاني، لأن الأول متوسط الطول وتجريبي في أسلوبه، بضبابية في جانبه الروائي، من حيث تقدُّم القصة وتطوُّر الشخصيات، وعلاقة المَشاهد الروائية ببعضها، وبتلك الوثائقية. هو فيلم وثائقي بعناصر روائية أكثر منه فيلماً روائياً بعناصر وثائقية. هو ليس مكتمل النضوج في روائيته إذن، ولا محدَّد المعالم، لكنه تمهيد للدخول في السينما الروائية الفلسطينية، صلة وصل بين الفيلم النضالي المسيطر في طبيعة السينما الفلسطينية آنذاك، والفيلم الروائي الذي اقتصر في زمن الثورة على فيلمَي صالح وحوَل، وقد توسّطهما اللبناني برهان علوية بفيلمه «كفر قاسم» (1974)، لكن لا مجال لخوضه هذه المنافسة لتطابقه مع «المخدوعون» من حيث اعتبارات المُخرج والمال العربيين، والموضوع الفلسطيني المنتمي للثورة، لكنه لاحق لفيلم صالح زمانياً.
في ختام كل هذا النقاش (في هذه المقالة وفي السابقة لها) يبقى الأحق في توصيفه أول فيلم فلسطيني هو «المخدوعون» لتوفيق صالح. فيلم عربي كما هو فلسطيني، وهو حال عموم الإنتاج الفني والثقافي والفكري الفلسطيني خلال الثورة، بالتحديد منه السينمائي النضالي. هو فيلم متعدد منابع الصناعة التي تصب في الثورة الفلسطينية. في الفيلم أسباب تجعله الأول، وفي غيره أعلاه أسباب تجعله، هو كذلك، الأول.



