شيء من الأيام في زمن صدام

بقلم: منهل عبد الأمير المرشدي..
((2))
كانت ساعات مرعبة، مثقلة بالقلق والظنون والخوف، قضيتها طوال الليل في فراشي، بعدما تيقنت من إلقاء القبض على الأخ علي جبار والأخ قاسم داود، وبقيت اتحسّب واتوقع مداهمة بيتنا في أية لحظة، لاقتيادي من قبل أمن النظام.. بقيت مستيقظاً حتى الصباح من دون ان يعلم بي الأهل حتى أشرقت شمس الصباح، وأستيقظ الجميع، فحاولت ان اتمالك أعصابي وأبدو طبيعيا في التصرف، محاولا اخفاء معالم القلق عن الأهل، حتى إني حاولت ان اتناول افطاري وكأن شيئا لم يكن، رغم إني لا أحّس بذائقة الطعام ولا حاجتي له. مع أولى ساعات النهار خرجت متوجها الى منطقة بيت الأخ علي جبار لعلّي استقصي خبرا ما، كنت امشي الخطى ثقيلة وأتوجس صوت أقدام كأنها تتبعني وأخاف أن التفت تلافيا من الفات النظر لي. في ذاك الحال وذاك الخوف وذاك الرعب اكتملت الكارثة حين صادفت رجلا كبير السن قادما من شارع بيت الأخ علي. كان يتحدث مع نفسه ويتمتم وكأنه يقول لا إله الا الله. ثم نظر لي وقال: (ارجع عمي وين رايح ارجع). قلت له خيراً حاج.. قال لي: (هذا ابن حجي جبار جابوه معدوم وممنوع واحد يروحلهم) انصرف الرجل مسرعاً وبقيت أنا متلعثما متبسمرا في مكاني وفي لحظات لن أنساها، اغرورقت عيناي بالدموع واحتجت ان اصرخ وكيف اصرخ ولا اصرخ وماذا أفعل ولست أدري ما أفعل فأسرعت في خطى أقدام متعثرة صوب بيت الأخ قاسم داود وقبل وصولي علمت عنه ما علمته عن الأخ علي فقد نالا الشهادة معاً على منحر الحق والحرية والهدى بعدما سمعت المعلومة من امرأتين يسيران في الطريق يتحدثان بينهما، إذ تواردت الى مسامعي من احداهم جملة (خطية قاسم بعده شباب) اكتملت لحظات البؤس واحتاط بي كابوس الخوف والحزن والأسى، لقد كان نظام المقبور صدام في حالة من الهستيريا حيث يلقي القبض على الشباب المؤمن ليعدمهم بنفس اليوم من دون محاكمة ويعيد جثامينهم الى عوائلهم باليوم التالي مع أمر بالمنع من قيام مجلس العزاء على الشهيد. عدت من حيث لا اختار ماشيا نحو بيتنا مطأطئ رأسي تخالجني الآهات والهواجس والظنون الى إن اقتربت مسافة من بيتنا رفعت رأسي فكان ما تحسبت وما خشيت وما توقعت أمام عيني، عجلة من نوع اللاندروفر تقف أمام باب بيتنا والرفيق ….. الذي اعرفه ويعرفني لانه شقيق صديقي في الثانوية وسبق وان زرتهم في البيت وهو مدير مدرسة في المنطقة ومعه رجل أمن والسائق في العجلة.. كانا يتحدثان مع والدي (رحمة الله عليه) وحينما شاهدني أبي نظر لي بعيون خائفة وكأن عيني أبي تحكي ولا أدري ما تحكي وكأنها تعاتبني أو تقول لي عد واهرب ولا تأتِ، ثقلت وتثاقلت خطواتي وعيوني واجمة نحو الضيوف المكروهين المنبوذين وضغط دمي أمسى واطئاً حتى مستوى اقدامي لكنني وجدت نفسي في لحظة الحرج الأكبر والامتحان الأصعب والقدر الأسمى فأما ان اكون أو لا أكون، انتفضت على نفسي وجمعت قواي وحاولت ان ارسم ابتسامة على وجه شاحب من رعب ما عرف وما درى وما ينتظر، رفعت يدي في اشارة مني للسلام عليهم وقبل ان اسمعهم سلامي ردّوا عليّ بصوت يجمع بين التهّكم والمكر والشماتة (أهلا أهلا.. أهلا بالشباب الوكح.. ليش مزعّل الأستاذ مالتك.. يلا.. يلا امشي نصالحكم) مد يده لي فمسكني من رسغ يدي.. قلت له: (أي مدرس هذا أي أستاذ تقصد) اجابني: (اصعد.. اصعد حتى نصالحكم وبعدين تعرفه منو).. استدرت الى أبي كي أراه لعلها النظرة الأخيرة، فشاهدت والدتي (رحمة الله عليها) وقد سقطت في الأرض خلف الباب وصعدت في السيارة بحكم الأسير فقد تعمدّوا جلوسي بينهما بشكل يوحي انه ملقى القبض عليّ وسارت السيارة وعيوني تراقب الشارع، مودعا موطن طفولتي وذكرياتي وقد رأيت بعض الجيران يراقبون المشهد من خلف زجاج النوافذ. ابتعدنا عن بيتنا فنظر لي رجل الأمن وقال لي بصوت لا يخلو من قلة الأدب (ليش تبقون مشاكسين مو عيب واحد يتجاوز على الأستاذ مالته) قبل ان اجيبه أو أرد عليه شاهدت السيارة تتوجه نحو باب مديرية الأمن في المنطقة، فلزمت الصمت، وسلمت أمري الى الله وتوكلت عليه.. وللكلام بقية.



