اخر الأخبارثقافية

النحات عبد الكريم خليل يُنطّق “المرمر” لإدانة جرائم الاحتلال الأمريكي

المراقب العراقي/ المحرر الثقافي..

النحات عبد الكريم خليل عمل على العديد من المواد غير الطيّعة كالمرمر، واستطاع ان يُنطّق ذلك المرمر لإدانة جرائم الاحتلال الأمريكي عبر تماثيل مميزة أثارت الانتباه الى مكانته في ساحة التشكيل العراقي، لما له من أسلوب واتجاه فني واضح ومميز، وهو يغذي أغلب تكويناته النحتية من منابع موهبة نضجت مبكراً، وترفض أن تُطوّع نفسها، لسياق ثابت ومحدد في مجرى العمل الفني، لذلك كان حضوره متميزاً في المعارض الفنية داخل وخارج العراق.

وقال خليل في تصريح خصَّ به “المراقب العراقي”: ان “النحت كفن تعرفت عليه بمرحلة الطفولة التي كانت تتسم بالمشاكسة واللعب الطفولي غير المتعارف عليه في منطقتنا الهادئة وأطفالها الذين لا يحبون اللعب بالطين مثلي، فكنت آخذ كمية من الطين وانفرد بنفسي لتحتدم الأفكار في ذهني، فأصنع أشكالاً من الاشخاص أو الأشياء التي تحيطني، وما أن أشعر بأن هناك من يراقبني، حتى آخذ العمل وأرتقي الى سطح المنزل حتى يجف، ومن ثم أخبئُه وهكذا تطورت الموهبة الى ان أصبحت أقيم المعارض الشخصية وأحرص على تواجد والدتي فيها، لكونها المشجع الأول لي منذ الطفولة” .

وأضاف: ان “الكثير من الفنانين ظل لسنوات في فترة ما بعد الاحتلال الأمريكي يعيش في حالة انعزال تام عن العالم، بسبب الوضع العام للفن التشكيلي، وساحة النحت بالتحديد فهي حالها حال الثقافات الأخرى، كادت ان تحتضر بعد أن تراجعت قاعات العرض الفني في بغداد والمحافظات، لاسيما بعد ان هجر ساحة التشكيل العراقي كبار الفنانين الى الخارج، وحتى المعارض التي كانت تقيمها بعض دور العرض القليلة جداً ومن المؤسسات المعنية بالفن غير مجدية الى وقت قريب، لكن الان هناك انفتاح وانفراج في الأزمة والدليل هو المعارض التي تقام في كل البلاد”.

من جهته، قال الناقد جمال العتابي، ان “النحات عبد الكريم خليل قد اشتغل على   حجر المرمر وعمل على غيره، إلا ما ندر، حيث أنجز فيما بعد بعض أعمال النحت الفخاري الملون في فترة متأخرة من تجربته الفنية”.

كريم وجد ضالتهِ في حجر المرمر، الذي سحره وبقي طوال تلك السنين يعمل عليه ويقيم معه علاقة حميمة، هذه العلاقة تتجدد باستمرار مع كل قطعة جديدة يشتغل عليها. اكتسب مع خامته خبرات تقنية وأخرى متعقلة بحوارات يومية بينه وبينها، هي التي منحته أسرارها بشكل تدريجي خلال ذلك الزمن الطويل من عمره كنحات.

ذات مرة سألته من أين يأتي بالمرمر؟ في حينها كان قد سرد لي حكايته مع تلك المادة، وكيف أحبها وتوطدت بينهما صلات عميقة، عن طريق الصدفة التي قذفت به إلى الموصل أثناء خدمته الإلزامية في الجيش العراقي، بعد أن أنهى دراسته في كلية الفنون الجميلة فرع النحت.

كان عبد الكريم خليل مثلما هو متحمس لرؤية عائلته في بغداد، يصاحبه حماس ملازم أيضاً، أن يحمل معه قطعة حجر أو اثنتين مع حقيبة ملابسه وهو ذاهب إلى بغداد، بعدها ينكب بحماس وبجهد مضاعف مع آلاته النحتية المتواضعة جداً، بالنسبة إلى النحاتين الذين يتعاطون مع هذه المادة الصلبة بواسطة آلات متطورة تقلل من الجهد والوقت.

كان في غاية الحرص أن يبدأ بمرحلة من الإنجاز في عملٍ ما، أو يتم إنجازه خلال فترة إجازاته التي تمر أيامها وساعاتها مسرعة وهو يعمل وكانت حكاية مؤثرة بالنسبة لي وأنا أصغي اليه، يسرد تفاصيلها بكل شاعرية وتلذذ، مع كثير من التفاصيل التي يحب أن يؤكد عليها.

الجميل، ان كريم وبعد أن أنهى خدمته الإلزامية ذهب إلى هناك مرةً أخرى، ليُحيي المكان الذي أمده بالمرمر، ومن ثم ليستأجر شاحنةً كبيرة يملأها بالحجر، بالأحجام التي تشبع رغبته وحاجته، مؤونة كبيرة قد تكفيه إلى وقت طويل من الزمن، وتبعد عنه التفكير بشح المادة أو عدم توفرها، كنت أتخيل غبطته وهو بجوار سائق الشاحنة التي تمتلئ بتماثيله، التي ستخرج من رحم تلك الأحجار غير المنتظمة ومسننة الحواف.

ان السؤال الذي لم أجد اجابة هو هل يريد عبد الكريم إخفاء ملامح أشخاصه وهوياتهم قصدياً في زمن تكثر فيه الوشاية مثلاً؟ أم إنه يريد لها أن تتوارى خلف تلك المادة لتداري فعلٍ ما؟ كذلك، لربما لا يريد إن يشي ببعض أسرارها التي قد تكون هي أسرار الفنان ذاته، مرتبطة بحكايات أو قصص يومية، كان جزء منها وهو يشهد على أحداث مريرة قد تركت في ذاكرته صوراً مرعبة من زمن الحرب والحصار وفيما بعد الاحتلال الأمريكي للعراق عام ٢٠٠٣ وهو قد جسد تلك الصور في تماثيل تدين جرائم الاحتلال الأمريكي”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى