اخر الأخبارثقافية

مخالب ..قصص عن معاناة الفقر في زمن الطاغية

المراقب العراقي/ المحرر الثقافي…

يُعد القاص جمال نوري واحدا من كتاب القصة القصيرة المسكونين بالهم العراقي لذلك تناول كتاباتِهِ العديدُ من النقاد ومنهم الناقد يوسف عبود في هذه القراءة النقدية التي ارتأت “المراقب العراقي ” نشرها .

يقول عبود في قراءته النقدية: إن المجموعة القصصية (مخالب) للقاص جمال نوري، نحت منحاً معاصراً من حيث الأسلوب الذي اتخذه القاص، سياق فني ورؤية فنية اعتمد فيها على فن صناعة القصة القصيرة والقصيرة جداً، كونه ابتعد عن التفاصيل والشيئات والمرويات التي يعتمد عليها القاص في عملية بنائها، وجعلها مادة أدبية خفيفة وقصيرة، مستنداً على الثيمة أو الفكرة بؤرة رئيسية ومركزية لسير العملية السردية التي تنضوي تحتها بقية الادوات والعناصر المرتكزات الاساسية للقصة القصيرة، فكلها تتحرك بشكل متوحد ومتزن في خدمة الثيمة وتنميتها وتفعيلها ضمن المسار الفني منذ نشأتها في متن النص السردي القصصي وحتى وصولها ونضجها ووضوحها في نهاية النص، دون الحاجة الى إطالتها أو مدها بتلك التفاصيل الدقيقة التي هي وجه آخر من عملية بناء الفن القصصي، حيث نجد النصوص التي ضمتها هذه المجموعة تكون بين القصة القصيرة التي تحمل بعداً فنياً آخر، والقصة القصيرة جداً، كونها لا تتعدى الصفحة أو أكثر بقليل، لكنها مضغوطة ومكثفة توظف لخدمة حركة السرد، والتي تبعدها عن التقليد اواالقوالب الجاهزة وكذلك عن الترهل او الزيادة أو الملل، وهي ضمن رغبات القارئ المعاصر، الذي يود دوماً أنواعا من السرد القصصي الخفيف والسريع والذي يمضي لتحقيق اهدافه ومبتغاه، ويحقق فيه الخطاب الادبي المطلوب والرسالة الانسانية التي يهدف الى تدوينها ضمن عملية الكتابة القصصية.

وفي القصة القصيرة ( مخالب) التي حملت المجموعة القصصية عنوانها، نجد تلك المخالب التي تعكر صفو الحياة وتبعد الصفاء وإحساسا بالطمأنينة والقدرة على اداء الواجبات الزوجية، بعد ان أخذ منه الوهن والكبر والعجز الكثير، وفي توليفة فنية متراكبة بين لوحة المرأة ، والاسد الذي لم يستطع كبح جماح اللبوات الخمس اللواتي وجدنه غير قادر على حمايتهن أو القيام بواجباتهن، فهجمن عليه بمخالبهن وانقضضْنَ عليه، ليتنحي عن مهمته في قيادتهن وحمايتهن.

ويبدو لنا أن ينبة العنونة (مخالب) ورغم كونها عنوانا لإحدى النصوص القصصية، وفيها رؤية فنية رمزية، حيث إن تلك المخالب لم تعد حاضرة بواقعيتها بل انها ترمز الى الكثير من الظواهر الحياتية التي تعكر صفو الانسان وتبعده عن صفاء سريرته، وكما وجدناه في القصة السابقة ان الوهن والضعف والعجز، هي تلك المخالب، فأن في القصة القصيرة (البيت الموعود) تنقلنا الى مخلب آخر من تلك المخالب الا وهو قلة الحيلة وضنك العيش وعدم القدرة على ايجاد سكن لزوج وزوجته في زمن النظام البائد الذي كان فيه الناس يعانون ظلم الطاغية المقبور ، الا في مكان منعزل وبعيد عن الناس لكونهما لا يستطيعان شراء سكن مريح لقلة المال وبلوغ الشيخوخة.

وعن المرض والوباء الذي استشرى وأطاح بارواح الكثير من الناس، هذا المرض والوباء هي مخالب اخرى تقض مضاجع الناس، وسنتابع في القصة القصيرة النوارس، معاناة احد الشباب وهو يحاول جاهداً الخلاص من الوباء القاتل الا أنه في النهاية لا يجد له بُداً الا الاستسلام والتحليق فوق السماء مع النوارس:

“وتنقل لنا القصة القصيرة ( المغادرة….) نوعا آخر من المخالب الا وهو النفوذ والسلطة، حيث نتابع سكانا يسكنون بيوتهم الجديدة فرحين، ليتفاجأوا باحد المسؤولين المتنفذين قد اشترى هو الآخر بيتا فخما معهم، وتبدأ معاناتهم حيث قسموا الحي السكني بالصبات والحواجز الكونكريتية وبالحراسات المشددة، والتفتيش الى غير ذلك من الامور التي ترافق المتنفذين في مساكنهم، اضافة الى فقدان الامن والامان بسبب تعرض هذا المسؤول الى محاولات هجومية بالقنابل في عقر داره، مما يضطر من السكان الجدد المغادرة:

” بعد أيام قليلة تفاجأ السكان بقطع الطريق المؤدي إلى بيوتهم وتدشين طريق آخر يفضي إلى بيوتهم بعد أن حوطوا البيت الجديد بالكتل الخرسانية الصماء وسيارات الشرطة ومد خط طوارئ خاص للكهرباء وإنشاء العديد من الكرفانات… تأثرت البيوت العشرة المجاورة لبيت المسؤول، وشرع أصحابها بمغادرتها إلى مناطق اخرى بعد أن باعوا بيوتهم بأثمان بخسة، قيل إن المسؤول ذاته قد اشتراها” ( ص 36 )

ضمت المجموعة القصصية (مخالب) للقاص جمال نوري العديد من النصوص القصصية التي لا تسع هذه الدراسة لعرضها، وهي نصوص سرية قصصية تناولت جوانب من الحياة المتعددة، برؤية فنية جديدة ومعاصرة، تؤكد تمكن القاص من اللحاق بركب الحداثة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى