رواية “بازار الفريسة”.. الكشف عن التمويل المرتبط بالسفارات الأجنبيّة

على غير عادة الروايات، يَفتتح الكاتب الأردنيّ خالد سامح إصداره الروائي “بازار الفريسة”، (الثاني بعد روايته “الهامش”، وعدّة مجموعات قصصيّة) برسالة، تبدو عاديّة، ومفهومة، ومقبولة ضمن الأعراف الدبلوماسيّة المعمول بها في كلّ أنحاء العالَم، مُوجَّهة من مساعد وزير الخارجيّة الأميركيّ لشؤون الشرق الأوسط إلى سفير بلاده في العاصمة الأردنيّة عمّان.
لكنّ القارئ، وهو يمرّ سريعًا على هذه الرسالة، ويتعجَّب من كونها مدخلًا لرواية، يضع قدمَه مباشرة في حقل الألغام، ويتورّط، من الصفحة الأُولى، فيما أدّى إلى منع توزيع الرواية (صدرت عن “المؤسسة العربيّة للدراسات والنشر” في 184 صفحة) في بلد كاتبها من دون إخطاره رسميًّا بكتاب رسميّ يُشبه تلك الرسالة، فـ السّرد الروائيّ، وهو يستلهم ويتخيّل، إنّما ينهل من واقع غير مُعلن لكنّه حقيقيّ، ومعروف، ومؤلِم؛ وبقدر ما تستند الحكاية على أحداث عاديّة ويوميّة وطبيعيّة في صيرورات السياسة في المنطقة العربيّة، يكتشف القارئ كم هي مُذلَّة ومؤلمة هذه العاديّة، وهذا الاعتياد، وإلى أيّ حدّ تمّ تطبيعها، واستفحلت، ليُصبح التعامل معها ومع نتائجها ومفاعيلها صعبًا ومعقّدًا.
في الرسالة/ المُفتَتح، تُوجِّه الخارجيّة الأميركيّة سفيرها في عمّان إلى ضرورة فَتْح قنوات التواصل مع سياسيّين وصحافيّين، ورموز من القوى السياسيّة التي أفرزها حدثان مركزيّان في تاريخ البلاد: فكّ الارتباط مع الضفّة الغربيّة عام 1988، وهبّة نيسان الشعبيّة عام 1989 التي عالجتها السلطة سريعًا بإلغاء الأحكام العُرفيّة التي استمرّت عقودًا، ورفع الحظر عن الأحزاب، والدعوة إلى انتخابات برلمانيّة.
هي ضربة ذكيّة مُكثّفة من الكاتب، تلحقها ضرباتٌ أُخرى على شكل رسائل أُخرى تُفتتح بها كلّ الفصول التالية، لترسم خريطة طريق اختراق مجتمعاتنا، وشراء مثقّفينا، وإخضاع سياسيّينا؛ خريطة مسار القوّة الناعمة، ومدّ أذرُع الهيمنة الخارجيّة من خلال مؤسسات الدراسات و”المنظمات غير الحكوميّة” والتمويل المرتبط بالسفارات الأجنبيّة والمانحين، وبتسهيلات مباشرة من المجموعات الحاكمة التي تعرف عن مثل هذه المسارب، وتعتبرها نوعًا من الوصل المستمرّ بمراكز القوى، وبابًا خلفيًّا للتواصل معها وتلمّس مطالبها، بل إنّها – في أحيانٍ كثيرة – تنخرط هي نفسها في إنشاء مثل هذه المؤسسات المتموّلة للحصول على هذا التمويل، ورفد جيوبها به.



