اراء

طوفان السماء بطير ابابيل يلاقي طوفان البحر نصرةً لطوفان الاقصى!

بقلم: الياس فاخوري..
“اِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنتَقِمُونَ” (السجدة – 22) .. رد ذكي مبرمج ومحسوب بدقة.. ليس خارق الإبهار، لكنه استراتيجي يمثل عينةً بسيطة لما قد يكون آت.. انهم -بوحدة الساحات- يصنعون التاريخ على الهواء مباشرةً لتُكمل “إسرائيل” وقوفها “على رجل ونصف” بانتظار رحمة المقاومة!
اما حساب المرشد الإيراني علي خامنئي فقد نشر على منصة “إكس”، مقطع فيديو يُظهر الصواريخ الإيرانية فوق قبّة الصخرة المشرفة في القدس، موجها رسالة باللغة العبرية “ستكون القدس في أيدي المسلمين، وسيحتفل العالم الإسلامي بتحرير فلسطين”.. كما جاءت اللقطات المصورة من القدس لتكشف صواريخ ومسيرات أطلقها الحرس الثوري الإيراني نحو أهداف عسكرية داخل “إسرائيل”.
وهذا مفتي سلطنة عمان يحيي الرد الايراني ويعلن تطلعه إلى ما يكسر شوكة الصهاينة وأعوانهم ويخلِّص المسلمين من شرورهم.. كما دعا في ختام بيانه “الأمة جمعاء” لأن “تأخذ زمام الفعل في نصرة المستضعفين في غزة وفلسطين، وألا تكتفي بردود أفعال جزئية، فإن هذا من إعداد القوة الذي أمر الله تعالى به في قوله: وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم من قُوَّةٍ”.
اما الاعلام الاسرائيلي نفسه صحيفة “يديعوت أحرونوت”، مثلاً فاكّدت ان الهجوم الإيراني شكّل مهزلةً استراتيجيةً لكيان الاحتلال حيث انتصر الإيرانيون قبل إطلاق الصواريخ.. وتحدّثت الصحيفة عن “فشل استراتيجي” مُنيت به “إسرائيل” بعد الرد الإيراني، وذلك نظراً لحقيقة أنّ “إسرائيل استُعبدت لأسبوعين إثر توتر يصيب بالشلل، بعد إقدامها على الاغتيال (وفي هذا إشارة إلى الترقب والقلق اللذين سادا في انتظار الرد، بعد التهديدات منذ مطلع هذا الشهر)”.. ثم جاءت صافرات الإنذار الإسرائيلية لتدوي 720 مرة تلك الليلة حيث أغرقت إيران الأجواء الإسرائيلية بالمسيّرات والصواريخ، من كريات شمونه شمالاً إلى أم الرشراش جنوباً، فاندفع السكان الى الملاجئ، في ضغط جديد يدفعهم لمغادرة هذا الكيان سيّما وان “إسرائيل” كانت وظلّت تتجهّز للضربة الإيرانية، ومعها الغرب الجماعي بطائراته ودفاعاته الجوية في الميدان.
إلى جانب تكلفة التصدي للهجمات الإيرانية التي تكبدتها القوات الأمريكية والبريطانية والفرنسية والألمانية، تتحدث الأرقام الإسرائيلية وحدها عن مليار دولار انفقها الدفاع الجوي الاسرائيلي في ليلة واحدة عداك عن خسائرها على الأرض.
وهكذا أظهرت وقائع طوفان السماء، كما طوفان البحر وطوفان الأقصى، هشاشة الواقع الإسرائيلي، وكشفت عدم قدرتها على الدفاع عن نفسها وعن حاجتها للحماية الغربية.. ورغم التباهي الإسرائيلي والأميركي بطبقات الدفاع الجوي في كيان الاحتلال، فلم تتمكن من حماية قواعدها الجوية او التصدي لأقل من ٤٠٠ مسيرة وصاروخ في مواجهة محدودة فاستنجدت بجيوش الغرب.. وهكذا اصابت ايران القاعدتين العسكريتين حيث انطلقت منهما او من احداهما الطائرات التي ضربت القنصلية الايرانية بدمشق.
وكانت “إسرائيل” قد اكدّت إنها متجهة إلى تغيير “الشرق الأوسط” بعد السابع من أكتوبر، وفي هذا السياق جاء العدوان على القنصلية الإيرانية في دمشق، فهل نجحت!؟
وبعد يأتيك من يُصر على قصة المؤامرة والمسرحية! فهل هي مسرحية “شاهد ما شافش حاجة”؟
وهنا، الا يُذكركم “طوفان السماء” بـ”سيف بن ذي يزن” واللحظة التاريخية يوم لم يجد غير “ايران” تلبي نداء استغاثته، فحرر اليمن و طرد الاحباش منها؟! ليس دفاعاً عن ايران، ولكنها القراءة العلمية للتاريخ وتراكمات العقل الباطن.
هل تذكرون كيف خاطب وزير خارجية بريطانيا، منذ حوالي 15 سنة، الايرانيين بصلف وتكبر مؤكدآ أنهم لن يسمحوا لهم باستخدام جهاز طرد مركزي واحد، وكذلك فعل ترامب! أما اليوم فتملك ايران، وباعتراف العالم، آلاف أجهزة الطرد المركزي..

وفي اليوم الذي أقرت به ايران الاتفاق النووي، أعلنت عن تجربة “عماد” الذي يبلغ مداه 1750كلم تأكيدآ لحفاظها على البرنامج الصاروخي الذي أرادت أمريكا منع ايران من امتلاكه.. والى القدرات الصاروخية الباليستية وغيرها التي تستمر ايران في الكشف عنها حتى بعد توقيع اتفاقها النووي مع الغرب، فانها باتت -حسب تقرير طومسون رويترز- في المركز 17 عالميآ في انتاج العلوم منذ عام 2013. وقد أنتجت 2925 مقالآ علميآ متخصصآ وازداد انتاجها العلمي 20 ضعفآ منذ عام 1996. كما أنفقت 3.6 مليار دولار فقط عام 2011 على البحث العلمي. وهي تنتج سنويآ نحو 40 الف كتاب وتطبع حوالي 250 مليون نسخة، ناهيك عن الأقمار الصناعية وتكنولوجيا النانو وانتاج السيارات (نحو مليون سيارة حتى وقف الحصار).. وها هي تدخل عصر القنبلة الاقتصادية وسوق الذهب الأسود والأسواق العالمية.. قلناها سابقآ، أيآ كانت السيناريوهات، أن الاتفاق النووي مع ايران -ودخولها عصر القنبلة الاقتصادية وسوق الذهب الأسود والأسواق العالمية عامة- يأتي ضمن السياق الأمريكي الصيني حيث تقود الصين الهجمة الاقتصادية الى جانب المنافسة السياسية والعسكرية المتنامية التي يخوضها بوتين ورفاقه رفضآ للتفرد الأمريكي يردفها تكتل البريكس في تصديه للاحتكارات الأمريكية وهيمنتها على الأسواق والأسعار والثروات!
يريدون لنا أن نلاقي دينيس روس بكل حمولته اليهودية، وجاريد كوشنر وصحبه مبعوثي هيرتزل الی المنطقة.. يدعوننا الی عدم القلق من “الشقيقة إسرائيل”.. ويرون أنه يحق لنا أن نقلق من ايران صاحبة البعد الاري الذي يتقاطع مع البعد الاري في الشخصية الجرمانية ويشيرون الی أن الصليب المعقوف مستوحی من شعار ايراني قديم متصل بطائر الهوما.. ثم يستفيضون بتحذيرنا من ظهور “هتلر الايراني” الذي سيغزو الشرق الأوسط بعربه ويهوده! من هنا تمخضت عبقريتهم البراجماتية عن ضرورة التحالف بين العرب وأشقائهم اليهود ولتسقط او تُذبح أو تُشتت منظومة المقاومة والممانعة!
عندها عرض برنارد لويس خرائطه طارحآ التحالف ضد “الخطر الايراني” كتكتيك لتسهيل تفكيك الدول العربية والاسلامية خدمة لاسرائيل وحماية لها من الخطر المصيري! اما بريجنسكي، فقد بدأ يفكر بتنشيط حرب خليجية ثانية لتفتيت المفتت و“تصحيح اتفاقية سايكس بيكو”.. وعليه قامت وزارة الدفاع الأميركية بتكليف برنارد لويس بوضع مشروع عملي لتفكيك المنطقة على أسس دينية طائفية مذهبية عرقية ثقافية.. وتمت المصادقة على مشروع لويس هذا في جلسة سرية للكونجريس الامريكي عام 1983!
وهنا لا بد لي ان أكرر ان فلسطين هي خط التماس بين الأرض والسماء.. ووجود اسرائيل يرتكز الى وعلى سرقة ومصادرة الأرضِ الفلسطينية وطرد الشعب الفلسطيني وهذه هي النكبة.. وجود اسرائيل هو المرادف الطبيعي للنكبة العربية الفلسطينية.. وعليه فان ازالة النكبة ومحو اثارها يعني بالضرورة ازالة اسرائيل ومحوها من الوجود – لا تعايش، نقطة على السطر ..
من معركة الكرامة في آذار 1968 الى معركة الغوطة في آذار 2018، الى الانتصارات الاستراتيجية للجيش العربي السوري في الجنوب مرورا بالانتفاضة الفلسطينية الاولى عام 1987(انتفاضة الحجارة)، فتحرير لبنان من الاحتلال الاسرائيلي عام 2000، فالانتفاضة الفلسطينية الثانية عام 2001، وتحرير غزة عام 2005، ثم حرب تموز عام 2006 الى “حسان” بصحبة “ذو الفقار”، و”سيف القدس”، و”ثأر الاحرار”، و”كتائب أحرار الجليل” و”كتيبة الرضوان”، و”قسماً قادرون وسنعبر”، و”جنينغراد” ف”جنيبلسغراد”، وفلسطين بحطّينها وعين جَالُوت، ووحدة الساحات، ووحدة الجبهات، و”يميناً، بعد هذا اليوم لن نبكي”- ها هي قوانين المادية الجدلية والمادية التاريخية تجدد صدقيتها وتؤكد مصداقيتها.. بتطبيق المنطق الجدلي على التطور التاريخي، يمكننا فهم المعنى التاريخي للمعارك والحروب والانتفاضات بوصفها تراكمات كمية تؤدي الى تغيير كيفي ينطوي على ازالة العدوان برمته لا مجرد اثاره.. وهذا ما بات يدركه المحور الصهيواوروبيكي متيقنا ان انتكاساته المتراكمة ليست مسألة سوء حظ وحسب، بل مسار سيصل ذروته وتبدأ عملية التطور النوعي فتزول “إسرائيل” وتعود فلسطين بكليتها من البحر الى النهر ومن الناقورة الى ام الرشراش، وتعود للأمة كرامتها.. ها هم المقاومون، وهذه أيامهم تهز العالمين رغم خريطة “الشرق الأوسط الجديد” التي رفعها نتنياهو أثناء خطابه في الجمعية العامة للأمم المتحدة منذ بضعة أشهر!

ساعة السابع من أكتوبر 2023 تُطيح بأُسطورة “العجز العربي” حضاريّاً وثقافيّاً.. وتُعيد “النكبة” أو “النكسة” إلى موقعها التقني السياسي! و”يطوف الأقصى” بمساندةٍ من “طوفان السماء” و”طوفان البحر” ضرباً للطغيان الصهيواوروبيكي لنقرأ الآية 46 من سورة القمر “بَلِ ٱلسَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَٱلسَّاعَةُ أَدْهَىٰ وَأَمَرُّ”!؟ فالساعة موعدهم الذي يُجازون فيه بما يستحقون، والساعة أعظم وأقسى مما لحقهم من العذاب يوم “بدر”.. فهل يُغرقهم طوفان الأقصى ويجرفهم منصوراً بـ”طوفان البحر” ومؤيداً بـ”طوفان السماء!؟
الدائم هو الله، ودائمة هي فلسطين ..
نصركم دائم.. الا أنكم أنتم المفلحون الغالبون..

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى