اخر الأخباراوراق المراقب

الزهد أسلوب حياة للبقاء المستدام

مرتضى معاش..

مع التطور العلمي الهائل والتقدم الكبير، أصبح العالم يحمل معه تعقيدات مادية كبيرة جدا، أثّرت على أساليب حياة الناس من النواحي الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والتربوية والأسرية، فأفرزت مشكلات كبيرة، بسبب عدم معرفة كيفية التصرف السليم مع هذه الأزمات المعقدة.

يمكن لنا في هذا العالم المادي المعقد أن نتعامل مع هذه الأزمات والمشكلات، ونكون من الناجين باتباع مفهوم الزهد الذي طرحه أهل البيت (عليهم السلام)، وخصوصا الإمام عليًا (عليه السلام) في (نهج البلاغة)، فهذا المفهوم يعطينا القدرة والمنهج والأسلوب والاستراتيجية اللازمة للتعامل مع الماديات، وإدارة المشكلات والأزمات الناتجة عنها.

الزهد أسلوب في الحياة يجعلنا قادرين على أن ندير أمورنا المادية بشكل ناجح، بأسلوب سلس ونافع، فكثير من الازمات التي تجتاح المجتمعات والأسر اليوم، هي نتيجة عدم وجود إدارة حكيمة ورشيدة، الزهد يساعدنا على الإدارة الجيدة، ويجعلنا نتخلص من التعقيدات والمشكلات المادية.

إدارة حياتنا بطريقة الزهد

على سبيل المثال، ما هو أسلوب العمل الناجح في الحياة، وهل علينا أن نتوقع الأجر المادي أم نتوقع الأجر الأكبر من المادي، فعن الإمام علي (عليه السلام): (وَلَا تِجَارَةَ كَالْعَمَلِ الصَّالِحِ وَلَا رِبْحَ كَالثَّوَابِ) فالإنسان الذي يجعل عمله متعلقا بالأجر المادي ويتوقع فقط الأجر المادي، دون أن ينظر إلى المستقبل ولايستثمر في الاستدامة او التطور في الحياة، فهذا الإنسان يكون محدود الرؤية وضيّق الأفق، وبالنتيجة يعيش في إطار مادي ضيق.

لكن الإنسان الذي يبحث وينظر للعمل ليس مجرد أجر مادي وإنما كخير ونفع وثواب وتطور فكري ومعنوي وأخلاقي وروحي للإنسان، فهذا الشخص سوف ينمو عمله ويتطور وتنمو شخصيته وتتطور آفاقه في الحياة.

(َيا قَوْمِ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي أَفَلاَ تَعْقِلُونَ) هود 51.

لذلك نحن نحتاج اليوم إلى أن ندير حياتنا بطريقة الزهد، حتى نستطيع أن نحقق أهدافنا الصحيحة في الحياة، ونتجاوز مجموعة من العوائق التي تعيقنا وتمنعنا من الوصول إلى الأهداف الحقيقية، وبالخصوص عقبات هيمنة عالم الأشياء على كل مفاصل الحياة، حتى أصبح العالم أسيرا ومرتهنا لها مكبل بأغلالها اولا، وثانيا مدمنا عليها خامل الفكر سطحي التفكير يرفل بالتفاهة، وثالثا يعمل فقط من أجل الحصول عليها لذلك يفقد المضمون الحقيقي للعمل.

يكرّس حالة التبعية وفقدان الاستقلال

من أصعب المشكلات التي يعانيها الإنسان أنه تُستلَب منه شخصيته وهويته ونفسه وفكره بسبب التبعية المادية للغير، عندما يفكر الإنسان فقط بكيفية الحصول على أجر مادي، فإن هذا الإنسان يعيش حالة من التبعية وفقدان الاستقلال من الناحية الذاتية لهذا الإنسان كشخصية وكيان عقلاني مستقل، وكإنسان له وجود وهوية وهدف في الحياة.

لكن الزهد يمنح الإنسان القدرة على مقاومة حالة التبعية وأن يبني في نفسه حالة الاستقلال، لأنه في الواقع يتعامل مع المادة كوسيلة وليس كهدف، لذلك فإن الزهد يؤدي إلى بناء الاستقلال عند الإنسان، وإيجاد حالة التحرر فيه، والاستغناء عن الحاجة الى الآخرين، لذلك فإن الزهد منهج استراتيجي في عملية بناء شخصية الإنسان.

الاستدانة والشراء بالأقساط

إن الحرص على الأشياء يؤدي الى فقدان القدرة على التحكم بها، وتصبح عنده حالة من التبعية وانعدام الاستقلال والاستسلام للاستعباد الشيئي.

ففقدان السيطرة على الأشياء يؤدي بالإنسان أن يذهب وراء الاستدانة والاستقراض، والشراء بطريقة الأقساط، فهو يريد أن يمتلك الأشياء سواء كان يحتاجها أو لا يحتاجها، حتى وإن لم يكن لديه القدرة المالية، فيذهب إلى الاستدانة ويوقع نفسه في سلسلة كبيرة من الديون تكبّل حياته، فالديون تثقل عاتق الإنسان وتجعله يعيش كابوسا نفسيا وهمّا كبيرا وقلقا وخوفا من المستقبل.

يمكنك أن تشتري سيارة بعشرة ملايين دينار عراقي، فلماذا تستدين وتشتري سيارة بـ 30 مليونا، عشرة ملايين يمكن أن تحقق له ما يصبو إليه، لكنه يستدين 20 مليونا ويوقع نفسه في شبكة الديون، فيعاني الهم والقلق والتفكير بكيفية سدّ الديون، وفي كثير من الأحيان قد لا يستطيع أن يرد الديون فيفقد ثقة الآخرين الذين يستدين منهم.

البداية الحقيقية للحرية

عن الإمام علي (عليه السلام) يقول: (من زهد في الدنيا أعتق نفسه وأرضى ربه)(7)، أعتق نفسه وتحرّر من العبودية، عبودية الأشياء وعبودية الطاغوت، وعبودية الشهوات من خلال الزهد، لأن الزهد يجعله يستغني ولا يفرح بالأشياء ولا يحزن عليها، هنا سوف يكون الإنسان حرّا، وهذه هي البداية الحقيقية للحرية.
نلاحظ بعض المجتمعات اليوم تبحث عن الحرية، وتنادي بالحريات وحماية حرية التعبير وحرية كل شيء، ولكن ترى هذه المجتمعات تعيش حالة من العبودية في مجتمعاتها، فالحرية السياسية لا تكفي ما لم تكن لدى الإنسان حرية ذاتية، حرية الإرادة، حرية التحرر من الشهوات والماديات، هذا هو منطلق الحرية، والمنطلق الأول لبناء الحرية في الإنسان، وهو التحرر الذاتي.

الزهد هو حرية الإنسان

وعن الامام علي (عليه السلام): (وَلَا تَكُنْ عَبْدَ غَيْرِكَ وَقَدْ جَعَلَكَ اللَّهُ حُرّاً.. وَإِيَّاكَ أَنْ تُوجِفَ بِكَ مَطَايَا الطَّمَعِ فَتُورِدَكَ مَنَاهِلَ الْهَلَكَةِ…) فالحرية تبدأ من نفس الإنسان وتنبعث من ذاته، وتتورق من تفكيره، فيعتق الإنسان نفسه من خلال الزهد، ويرضي الله سبحانه وتعالى، ومعنى هذا لابد على الإنسان أن يبحث عن رضا الله سبحانه وتعالى ولا يبحث عن رضا الطاغوت أو المسؤول عنه ومديره، بل يبحث عن رضا الله، فلا يعصي ربه، ويتورع عن الحرام، هذا هو معنى الزهد الحقيقي وهذا هو معنى الحرية الحقيقية، وهذا هو معنى التحرر الحقيقي والاستقلال والاكتفاء عند الإنسان.

لذلك فإن الزهد هو حرية واستغناء واستقلال، فالذي يبحث عن الاستقلال وعن الحرية وعن الاستغناء الذاتي لابد أن يتخذ منهج الزهد في الحياة، ولا يعني منهج الزهد أن تتخلى عن الحياة المادية، بل يعني أن لا تجعل نفسك عبدا للماديات، فتكون أنت المسيطر والمتحكم بها، عندما تستفيد منها كوسيلة في حياتك وليست هدفا.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى