اراء

رامبو والثعلب الأشقر.. من يضحك على من؟ هل نشهد انفراجات في غزة؟

بقلم: خالد شحام..

الآن وبعد مضي نصف سنة من العدوان الإرهابي المتواصل على غزة دون ردع أو إيقاف، يمكن لأي عربي أن يتحسس جيداً نعومة الفولاذ الذي يطوق زنده وربما عنقه، وفي بعض البلدان، رجليه وذراعيه أيضا، يمكن للعربي في كثير من هذه الدول أن يغمض عينيه وينسى بيته وشارعه ومدينته ومظاهر الرفاه التي يبدو أنها يعيشها لكي يرى ببصيرته السجن الكبير الذي يعيشه ولا يمكنه أن يكسره أو يخرج منه، يمكن لنا أن نستنشق الهواء الذي نتنفسه ثم نعيد تحليله في خلايا الدماغ ونكتشف أنه هواء السجون الذي لم يتجدد منذ سنوات طوال، هذه هي حقيقة المدن العربية دون مواربة، لا تهم نوايانا أو ما نضمره أو ما نرغب في تحقيقه حيال غزة، لأن هذه الحقائق الخفية هي الثوابت .

خلال نصف سنة من العدوان على غزة يتجلى التكتيك الرسمي العربي في (محاربة) اسرائيل وكبح مشاريعها من خلال أسلحة وجيوش وأدوات خطيرة فريدة للغاية لم يسبق مثلها في التاريخ، السلاح الأول هو الانبطاح حتى الالتصاق بالأرض تحقيقاً لفكرة حنكة المواجهة، صمت مطبق عن أي تصريح سوى ما تتلوه الشياطين وما أنزل على المَلَكين في أنه يجب وقف إطلاق النار وإدخال المساعدات والتحذير من تمدد الصراع، سلاح دمار شامل اسمه التطبيع والحفاظ عليه دافئا بكل وسائط الكرم والسخاء العربي والمجاملات والدعم لأن الصلح خير، عهود مقدسة وتوصيات سرية مختومة بالبصاق الاسرائيلي بإفناء المقاومة ومسح غزة عن بكرة أبيها وتسديد فواتير الخسائر الاسرائيلية، قوافل جرارة أولها في الجزيرة وآخرها في الشام اسمها الجسور البحرية والبرية والجوية حتى لا يقال جاع طير في بلاد العرب التاريخية، قنابل ذرية فائقة الطاقة من الذل والتذلل والانكماش تحت المعطف الأمريكي والاختباء خلف النصوص المقدسة التي يتلوها البيت الأبيض حتى لا نخرج عن قاعدة إن جنحوا للسلم، جيوش جنائزية على مد البصر من شعوب تركض وتأكل وتشرب وتمارس وتشاهد المسلسلات وتمارس رمضان على أتمه وهي تعلم أن المسلخ لليوم التالي هو لها دون أي خطأ، حملات اعتقال وتصفيات سياسية وجيوش من الصحافيين والإعلاميين الذين يرتدون طاقية الإخفاء ذات النجمة السداسية موجهون ومأمورون بإيميلات مسيرة دقيقة الاستهداف، هذا هو تشخيص التكتيك المذكور في الكتاب المسطور والبحر المسجور .

حيال هذا السلوك يأتي التكتيك (الإسرائيلي) والذي يتمثل في مبدأ (رامبو) أو (نفش الريش) أو مبدأ السمكة المنفوخة ذات الأشواك، وينص هذا المبدأ على بذل الجهد وتركيز الطاقات لإظهار اكبر قدر من الأذى والايحاء بالقوة والمناعة والضخامة الوجودية وامتناع الإصابة بالألم، دعائم هذا التكتيك هي التقنيات العلمية وشبكة واسعة من الحلفاء والجواسيس وبعض الديكورات، ضمن هذا النهج يلجأ العدو إلى قتل كل شيء وتدمير كل شيء ليرسل رسالة بأن أحداً لا يقف في طريقه، قتل الفريق الملائكي من متطوعي المطبخ العالمي هو جزء من هذه الرسالة، تجاوز كل الخطوط الحمراء وكسر لكل قرار دولي أو أممي ومسح الأرض به هي عناوين عريضة، اغتيالات في العراق ولبنان والوصول بالمسيرات الدقيقة لأعماق محظورة، قصف القنصلية الايرانية داخل سوريا هو جزء من سياسة رامبو ونفش الريش، النتائج القياسية الكبرى التي حققها العدو وفقا للمسطرة  العسكرية المعيارية هي لا شيء أو صفر، خاصة عندما نعلم أنه أنفق 100 مليار دولار وأطلق مئات آلاف القذائف واستدعى نصف مليون من الاحتياط واستنزف حياته الاجتماعية وتقبله الدولي والشعوبي والمصيري مقابل وصوله إلى الخضوع  لاتفاقية مع المقاومة، على الصعيد العسكري الحقيقي لم تكتسب هذه الدويلة أرضا جديدة ولم تحيد أعداءها ولم ولن تتمكن من الإطاحة بإيران دولة وشعبا وحكومة، لأنها أقل شأنا من كائن ميكروبي قياسا للحجم التاريخي والوجودي للجمهورية الايرانية، محور المقاومة العربي في يمن البطولة ولبنان الصمود وعراق التاريخ لا يزال مرابطا جاهزا لا يخاف أمريكيا ولا أساطيلها ولا كل جبروتها وهو محور مؤهل للتوسع والتطور، إن تكتيك رامبو يتميز بدعائية كبيرة ولكن العلامة النهائية لكل أدائه هي الحماقة وتجميع قدر كبير من الأخطاء والفضائح والتراكمات الكارثية ويحتاج دوما من ينظف خلفه، النتيجة الحتمية لتكتيك نفش الريش أو السمكة المنفوخة عند المواجهة الحقيقية تشبه نزع الريش أو وخز السمكة بإبرة لترى رامبو بحجمه الحقيقي وهذا ما أكدته المقاومة الفلسطينية وهذا ما سيحدث إن آجلا أو عاجلا .

ما هي الحقائق التي يجب فهمها جيدا كأساس لتفسير ورؤية مستقبل هذه التشابكات السياسية التي نشهدها؟.

إن رؤية الولايات المتحدة لمصالحها وهيمنتها على العالم أو المنطقة العربية لا تقبل القسمة على إثنين، بمعنى أنها في عقيدتها الإمبريالية لا تقبل بالشركاء أو تقسيم الغنائم، إنها رؤية رأسمالية متزمتة أحادية المكاسب ترفض أي شريك محتمل مثل روسيا أو الصين أو إيران اقليميا وقد كشفت غزة للتو أن عالمنا لا يزال حتى اللحظة احادي القطب.

إن عقيدة الولايات المتحدة الرأسمالية -الصهيونية لا يمكن ان تقبل بوجود معارضات أو مهددات أو عثرات في طريق مصالحها في الشرق الأوسط على المدى البعيد، إنها عقيدة أحادية الرأي، ولهذا السبب لا يمكن إغفال الصراع الظاهر والباطن ضد إيران ومحاولة اصطيادها بشتى السبل، لأنها تمثل شوكة في حلق المشروع الأمريكي- الصهيوني تماما كما يجري حيال روسيا مرحليا أو الصين قادما.

إن العقلية ذات العقيدة السابقة لا يمكن أن تقدم شيئا دون الإحساس بقوة الخصم المقابل، وبهذا الادراك يمكن ترجمة التغير في اللهجة والخطاب الأمريكي بأنه بدأ يرى حسابات خاسرة بالمقاييس الاستراتيجية، هنالك استشعار كبير بوجود خسائر على كل الصعد، خسائر بشرية وسياسية وشعبوية واهتزاز البنية الشبكية للاستقرار الدولي والذي يضر بخطط النظام العالمي الجديد، إن هذا لا يعني إيقاف الخطط أو إلغائها بل هي سياسة تدوير وتسكين مؤقت للبحث عن البدائل الأكثر فاعلية.

انقلاب الخطاب الأمريكي السطحي خلال اليومين الماضيين يؤكد، أن مجلس الكابينت المجرم فشل في مهمته ومسألة تحييده هي مسألة وقت فقط، لكن هذا لا يعني بأن الكيان فقد كونه الذراع الامريكي.

إن حتمية الرد الايراني على الاعتداء الإرهابي في سوريا، لا تعني اندلاع المواجهة لأن الذهنية الإيرانية لها رؤيتها الأعمق مما نرى والتي ليس من ضمنها فتح الجبهة، والكيان ليس مستعدا لهذه المواجهة .

إن التكتيك الذي اتبعته المقاومة الفلسطينية يتمتع ببساطة شديدة وفاعلية كبيرة فتاكة للمنظومة الاستعمارية، إنه تكتيك عقائدي قائم على طلب الشهادة في سبيل الله والبلاد، قائم على المصداقية والديمومة والثبات في الرؤية الحق، قائم على عقول مبدعة منتمية لمصلحة شعبها تخطط بصلابة دون تنازلات وتتحمل الموت والقصف والتجويع والحصار، إنها المنتصرة بإذن الله، مهما طال الزمن.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى