“ذاكرة الطباشير” الدهشة والواقعية المنتقاة من صميم المجتمع العراقي

قصص كتبت في فترات متباعدة
المراقب العراقي/ القسم الثقافي…
يعد الكاتب كامل الدلفي، واحداً من الكتاب الذين كتبوا عن الواقع العراقي بأسلوب جميل، مبرزاً الحالات الايجابية والسلبية في المجتمع، وقد كتب عنه، الكثير من النقاد ومنهم داود السلمان الذي نثر حروفه في دراسة نقدية عن مجموعته القصصية الموسومة “ذاكرة الطباشير” تنشرها “المراقب العراقي” لأهميتها.
يقول السلمان: أهداني القاص كامل الدلفي، مجموعته القصصية الموسومة “ذاكرة الطباشير” وهي المجموعة الثانية للقاص الدلفي، حيث كانت مجموعته الأولى تحت عنوان “طائر القصب”. و”ذاكرة الطباشير” هذه صادرة عن دار “المحجة البيضاء” في بيروت، وهي من القطع المتوسط عدد صفحاتها 167 صفحة، وقد كتبت في فترات متباعدة مع مدخل ومقدمة ذكر فيها بأنّه كتب “القصة القصيرة بدافع من موقف ذهني لما وجدته من أن القصة نظام لغوي، وفكري، وثقافي متكامل، تتطلب الاحاطة به أن أرتقي بممكناتي التقنية، والثقافية، والنقدية لأمهر بصمتي في عالمه، وأدرك مدى انعكاس حركة الأمة الثقافية عن طريقها؛ هذه الاشارة الدقيقة هي دافعي الأول في ممارستي كتابة القصة القصيرة، والتمعن في دقائقها، والسير في دروبها الوعرة”.
القاص الدلفي قسّم المجموعة إلى أربعة فصول، الأول: ألواح موجزة من عالم القصة القصيرة جدًا. والفصل الثاني: جدائل الخوص، وأما الفصل الثالث فأسماه: أزهار من جمر، والفصل الرابع والأخير فكان: مقام الهذيان.
وحين تجوالي في أروقة المجموعة، تبيّن لي إنّ الطابع العام لأجواء القصص التي عالج الكاتب موضوعاتها، فكان تسوده القتامة والحزن، فضلا عن الدهشة والمفارقة، والواقعية المنتقاة من صميم الواقع الذي يعيشه المجتمع العراقي، بكل أطيافه ومشاربه، وقومياته المتعددة.
الواقع المرير، الذي مرّ ويمر به البلد، عالجه وتقصّى حقائقه الكاتب الدلفي برمزية واحترافية، أظهر فيه قابلياته الابداعية، والفنية، وامكاناته الكتابية، والمعرفية، على اعتباره كاتبا متميزا، وذلك من خلال تصويره للأحداث، والمجريات التي جرت لهذا المجتمع القابع بطابع خاص، ربما يختلف عن بقية المجتمعات الأخرى، حيث هناك الطابع العشائري.
فمن ذلك قصة قصيرة، عالج فيها كاتبنا الدلفي، واقعاً معاشاً كان فيه دور واضح للفقراء، الذين ضنكتهم الحياة المريرة، فسكوا بعض الأماكن التي يسودها البؤس، من الاحياء البسيطة. والقصة هذه تحت عنوان “سوق عريبة”، ويقع هذا السوق في الصدر حاليا، وتعرّض السوق الى تفجيرات إرهابية، كما تعرّضت بقية المُدن العراقية، الى تفجيرات مماثلة، من قبل أعداء الحياة والانسانية، وهي فترة الاحتلال الامريكي للعراق.
والقصة مؤلمة، رغم قصرها، لكن القاص صورها لنا بلغة سليمة مكثفة، وحاول ضغطها بأشد ما يستطيع، وأنا أراها كلقطة سينمائية، صُورت بحرفية عالية.
كما أن هناك قصة أخرى ألا وهي قصة “تراتيل عبّاد الشمس” ففيها رمز للوّعة والتمرّد، وقصف الواقع بسهام الأمل والحلم بالتغيير، وانبثاق فجر جديد يجلو بنوره ظلام الحيرة، واجلاء الضبابية القاتمة عن النفوس المتوثبة الحالمة، المتعطشة للحياة وهي تسمو برجاء مشرق يخرج من بين ركام واقع تعيس، الى اشراقة تغيّر كل ما هو ضبابي لتحيله الى أمل لا ينقطع، وسعادة جياشة تنعش القلب وتسرّ الفؤاد.
وثمة صورة أخرى من صور الخلاص، إلى عالم التطلع وحلم تغيير ذلك الواقع؛ وهو ما شيده الكاتب كصرح شامخ يزهو بالأمل، ويرفل بالمعجز الضارب أطنابه بالسماء للمدّ الغيبي، ذلك المدّ الذي سينتشل الغارقين في بحور اليأس، ويحلمون بالتطلع والخلاص. وهو ما فلسفه القاص الدلفي في أقصوصة “عرّاب”، وفيها رمزية عالية سبر غورها القاص، وأضاف اليها نكهة جمالية.
وفي أقصوصة “الهدوء اللذيذ” عالج القاص، موضوعة انكسارات الانسان الداخلية، وطموحه بالوثوب الى أماكن شاسعة، وأكثر هدوءً، والحلم بالتطلع الى شمّ نسيم الحرية العابق، بعيدا عن صخب القلق النفسي، وغربة الروح وهي داخل جسد متماسك، لكنّه يشعر بضياع مستتر. وهذا هو ديدن إنسان العصر، الذي يعيش تشعبات الحياة غير المستقرة، حيث الطرق باتت مغلقة والدروب توعد بمستقبل مجهول.



