حديث في زمن مأزوم
لو حاولنا تقصي أسباب وخلفيات الاختلافات بين البشر، بكل أنواعها؛ سواء العقائدية والعقلية والثقافية منها، أم النفسية والنفعية والذرائعية، لما تمكنا من أن نحيط بها أبدا، بل على العكس من ذلك، إذ ربما سيؤدي بنا البحث، إلى أن ندخل في إختلافات جديدة، نتيجة التنازع على التوصيف والأولويات.
ثمة حقيقة في شأنية الإختلاف، نجد أنفسنا مرغمين على قبول نتائجها، وهي أنه وبعيدا عن الإعتزاز بالرأي وثقافته، والذي هو ليس إلا إستبداداً فردياً، فإننا سنجد غالبا مسوغات منطقية لأوجه الاختلاف؛ لإننا أذا سلكنا مسالك التفكير العقلائي، فسندرك أننا قد ضللنا الطريق؛ إذا علنّا إختلافاتنا بسياقات تنزيه أنفس وتأثيم الآخر، ووسمه بأوصاف الخيانة والمؤامرة، والبلادة والحماقة والجمود.
إن إشاعة ثقافة التأثيم، في صفوف الجماعات والأفراد المتخالفين، تدمير خطير لبنية المجتمع، فضلا عن كونه أثماً كبيراً، نرتكبه بحق أنفسنا قبل غيرها، ولعل أخطرها وأكثرها تدميراً، تلك الأطروحات الفجة المباشرة، بالاتهام بالعمالة تارة لهذه الجهة أو تلك، على المستويات الإقليمية أو الدولية على حد سواء.
ثمة مسلمة لا شية فيها، وهي أن الإختلاف واحد من أهم طبائع البشر، وهو اختلاف منتج للإبداع والابتكار على مبدئية: شراب سائغ طعمه مختلف ألوانه!..اي أن يكون الأختلاف مقبولا ومحترما ومتفاعلا، لا يؤدي إلى القطيعة؛ إختلاف سائغ الطعم ليس مرا حنظلا، كطعم الإختلافات التي تشهدها ساحتنا السياسية العراقية.
صحيح أن خبرتنا قليلة بالتعددية والديمقراطية، لأننا منذ 1400 عام على الأقل، كنا خلال كل ذلك الوقت؛ تحت حكم دكتاتوري دائم، لكننا يجب أن نستوعب إختلافاتنا، حين نتحدث الآن عن مجتمع تعددي ديمقراطي، ولذلك فإن من أبسط قواعد مجتمعنا الجديد، أن نجد فيه للمخالف على كل صعيد، مقعدا محترما يليق به كشريك وطني، والمخالف هنا شخص أو هيئة أو عقيدة أو فكرة.
في ظل تفشي حالة السير في طريق المجهول، وكي نلحق أنفسنا قبل فوات الأوان، فإننا بحاجة إلى وعي وثقافة، للقبول بالرأي المخالف والاعتراف بالآخر، وبحاجة أشد؛ إلى عدم التخندق وراء متراس التخوين والتجريم، والإلغاء وسوء الظن بالآخرين, وثمة ضرورة قصوى لاعتماد التهدئة في الخطاب السياسي، من أجل إبقاء الساحة الداخلية ضمن دائرة الاستقرار.
لتبريد أجواء الاحتقان والتوتر السياسي السائدة في البلاد، يتعين أن نقدم جميعا تنازلات متبادلة، في مسألة حل المأزق السياسي الذي نواجهه، عادّين أن هذه التنازلات؛ تصب في مصلحة الوطن والمواطن العراقي، الذي يخشى فصولاً جديدة من الانقسام والتوتر..
كلام قبل السلام: في الأجواء المسمومة يغيب سلوك الاتزان والعقل, وتكون الحكمة والمسؤولية في إجازة قسرية، أمام الاستفراد والاحتكار والإقصاء والفوضى..!
سلام..
قاسم العجرش
qasim_200@yahoo.com



