الثبات في زمن الغيبة وعصر الانتظار

مرتضى معاش..
أسعد الله أيامكم بمولد القائم المنتظر (عجل الله تعالى فرجه الشريف)، المصلح المنقذ الذي ينشر العدل في الأرض، ويرفع الظلم، المهدي الذي ننتظره بلهفة واشتياق ومحبة، ننتظره بمعرفة راسخة وطاعة صادقة وحب دائم لهذا الإمام الغائب، ننتظره من خلال العمل الصالح والاعتقاد العميق، والسلوك الجيد والأخلاق الحسنة.
الإنسان في مسيرة حياته تواجهه دائما تحديات، ويحاول ان يجسد هذه التحديات وتلك الصعوبات من خلال سلوكياته وطموحاته، فهل هو فعلا يجسد المنهج الذي يؤمن به ويواليه بحيث يتمكن من الثبات والاستقامة، أم يتساهل بتجاوز تلك التحديات والصعوبات ويتنازل عن مبادئه.
بالخصوص الإنسان الموالي لأهل البيت (عليهم السلام)، والمنتظر الإمام الحجة (عجل الله تعالى فرجه الشريف)، في زمن الغيبة، التي تمثل أكبر تحدٍ وأعظم امتحان حيث يُختبَر في مواجهة هذا التحدي اختبارا شديدا، ويتبين بوضوح كلامه وسلوكه ومدى قربه من الحق أو الباطل ومن الصدق أو الكذب من الصح أو الخطأ.
هل هو مؤمن حقيقي وكلامه صادق أم هي مجرد لقلقة لسان، هل سلوكه يتناسب مع عصر الغيبة وزمن الانتظار، وهل سلوكه متذبذب ومتضعضع؟ فهنا تتبين حقيقة قضية الانتظار والمنتظِر.
ما الكبريت الأحمر؟
ففي الاستقامة على منهج الانتظار يتبين في هذا الامتحان العسير الصعب جوهر الايمان والثبات على عقيدته، لأنه في عصر الغيبة لا يرى القائد أمامه، يقول رسول الله (صلى الله عليه وآله): (والذي بعثني بالحق بشيرا، إن الثابتين على القول به في زمان غيبته لأعز من الكبريت الأحمر)، والثابتون هم المتمسكون بمنهج الإمام الحجة المنتظر (عجل الله تعالى فرجه الشريف)، والكبريت الأحمر يعني هنا: شيء افتراضي يُضرب به المثل من حيث القيمة المثالية، أو من حيث نُدرة الوجود، أو الشيء الذي يستحيل العثور عليه. فالمؤمن يكون في زمن الغيبة مثل الكبريت الأحمر، عزيز قليل ونادر.
الثبات نقيض الزوال
إن الثبات هو نقيض الزوال، أي البقاء، حين يكون الإنسان باقيا في مكانه، لا يتزعزع، وتكون له الحجة أو القوة الذاتية وعدم التزلزل (يُثَبِّتُ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللّهُ مَا يَشَاء) إبراهيم/27، وعدم الانزلاق في المغريات والشهوات والتشكيكات، ونتيجة الثبات هي الانتصار.
المخاطر في عصر الغيبة
الخطر الاول: تزلزل المبادئ وهلاميتها، وذلك بسبب البحث عن المكاسب المادية والسريعة، وكثير من الناس تغريهم الماديات، وإشباع غرائزهم وأهوائهم وشهواتهم، فنلاحظ إن يؤمن بأهل البيت (عليهم السلام) ولكن عندما يواجه امتحان المغريات يصبحُ متزلزلا هلاميا، أي تزول حالة الثبات على الدين عنده خصوصا أن هؤلاء الذين كانوا مؤمنين وعندما أصبحت السلطة بيدهم، أو ازدادت الأموال والحشم والخدم تزلزلوا وركضوا وراء شهواتهم وأهوائهم.
الخطر الثاني: الانهزامية النفسية والعقائدية والثقافية، وذلك بسبب التحديات العالمية، ونقصد بذلك التقدم العلمي العالمي والتكنولوجي المادي، التقدم الكبير الذي يحصل في العالم كله، حيث يرى الإنسان نفسه صغيرا في هذا الخضمّ.
بعض الناس تتضاءل عندهم الالتزام في زمن الغيبة، فيصبح في ذاته صغيرا محتقرا لنفسه ومنهزما. ويتساءل لماذا هم يتقدمون ونحن لا نتقدم، وهو بهذا لا يحاول أن يبحث عن السبب الحقيقي وهو التخلي عن مبادئ أهل البيت (عليهم السلام)، هذه الانهزامية تعد من أكبر المخاطر حيث ينساق هؤلاء المنهزمون نفسيا كانسياق القطيع وراء المبهرجات والصخب الكبير الظاهري الموجود في العالم، من الملابس، وامتلاك الأشياء، والأكل والشرب، واللهو والعبث واللهاث وراء الدعاية والإعلام، وبالنتيجة يصبحون مستعبدين داخل مسار القطيع الذي انهار واستسلم لهذا الواقع المادي التعيس، وهو تعيس لأنه يُخرج الإنسان من حالة السعادة الحقيقية، ويُدخله في عالم فارغ من المعاني الحقيقية.
الخطر الثالث: تسلّل الشك، إن المشكلات كثيرة، وكذلك الأزمات والضغوط، خصوصا الضغوطات المادية، بعض الناس يتسلل الشك إليهم من خلال الوساوس الشيطانية، فيهتز فيهم اليقين بالدين، فيكون شاكّا قلِقا، غير مطمئن بسبب انهزاميته، واستسلامه للضغوط والمشكلات.
الخطر الرابع: غياب العناصر الأخلاقية، وهي العناصر التي تشكل الشخصية المستقيمة للإنسان، فعندما تصبح الغاية تبرر الوسيلة، يذهب هذا الإنسان وراء الانتهازية والوصولية ويريد أن يصل إلى غاياته من دون أن يتورع عن ارتكاب المحارم، وينجرف باتجاه الحرام ويغرق فيه.
الخطر الخامس: عدم التورّع عن المحارم، وهذا يؤدي إلى فقدان التقوى، والانزلاق وراء الشهوات، ربما هناك بعض الناس توجد عندهم بعض القضايا الأخرى من عدم الالتزام، ولكن بعض الناس تراهم يحبون أن يمارسوا أشياءً خلاف الأحكام الشرعية، فيحاول أن يبرر ارتكاب الحرام، فيقول من قال بأن عملي هذا حرام، ما هو دليلكم على أن ما أقوم به حرام.
كيف نثبت في زمن الغيبة؟
هنا يتبادر السؤال: كيف نكون ثابتي الأقدام وراسخين في مبادئنا وعقائدنا، نلتزم بالأحكام الشرعية، نتورع عن الحرام والشك والشبهة والتزلزل؟.
أولا: التقوى
وهي تلك الملَكة النفسية التي تحصن الإنسان من الوقوع في المحارم، وتعطي الإنسان النزاهة والقوة والإيمان الكبير، والحصانة الذاتية بأن تكون في ذات الإنسان ملَكة راسخة، وتمنحه التورع عن الحرام، ووقاية نفسه من الانحراف والسقوط في أتون مستنقع المحارم والمساوئ.
ثانيا: الصبر
عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) يخاطب أصحابه: (سيأتي قوم من بعدكم، الرجل الواحد منهم له أجر خمسين منكم، قالوا: يا رسول الله، نحن كنا معك ببدر واحد وحنين ونزل فينا القرآن؟! فقال: إنكم لو تحملون لما حملوا، لم تصبروا صبرهم)، هؤلاء المنتظرون في عصر الغيبة أفضل من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) في بدر وأحد والذين نزلت فيهم الآيات القرآنية؟ لأنهم يتحملون ضغوطاً قصوى، ويصبرون صبرا كبيرا، وهذا هو المطلوب منّا، أن نكون صابرين حتى نكون من المنتظرين الحقيقيين المتمسكين بمنهج الإمام الحجة المنتظر (عجل الله تعالى فرجه الشريف)، وعندما نكون من المنتظرين الحقيقيين، نكون من الناجحين في حياتنا، فالصبر طريق النجاح والفوز والربح.
ثالثا: التمسك بالدين
عن الإمام الصادق (عليه السلام): (قال أمير المؤمنين (عليه السلام): لأنسبن الاسلام نسبة لم ينسبه أحد قبلي ولا ينسبه أحد بعدي، الاسلام هو التسليم، والتسليم هو التصديق، والتصديق هو اليقين، واليقين هو والأداء هو العمل، إن المؤمن أخذ دينه عن ربه ولم يأخذه عن رأيه. أيها الناس، دينكم دينكم، تمسكوا به، لا يزيلكم أحد عنه، لان السيئة فيه خير من الحسنة في غيره، لان السيئة فيه تغفر، والحسنة في غيره لا تقبل).
هذا حديث عظيم لابد أن نتأمله، فليست هناك حسنة في غير الدين، فالإنسان المتدين لا يرتكب السيئة، فإذا كان الإنسان متمسكا بدينه، فإنه حتى لو ارتكب السيئة ثم استغفر الله سبحانه وتعالى، فهذا أفضل الحسنة في غير الدين.
لأن الإنسان الذي لا دين له لا منهج له، لا أخلاق له، الدين هو الذي يعصم الإنسان من الخطأ، هو الذي يحصّن الإنسان من المساوئ، حتى لو كان الإنسان ذا أخلاق حسنة، ولكن في لحظات معينة عندما لا يكون الدين محصِّنا له سوف ينهار.



