اخر الأخبارثقافية

“جاذبية الصفر” هاربون من العراق بسبب حكم الطاغية في التسعينيات

المراقب العراقي/ المحرر الثقافي…

يعد الكاتب لؤي عبد الإله، واحداً من المؤلفين العراقيين الذين تمكنوا من توثيق أحداث بلدهم، ولاسيما الحروب المدمرة بسلاسة، من دون أن تبدو الحقائق مقحمة في النص، أو تحوّله إلى سرد جاف، وقد ظهر ذلك جليا في رواية  “جاذبية الصفر” والتي جميع أبطالها هاربون من العراق بسبب حكم الطاغية بحثاً عن وطن، وهي تركز على العشرية الأخيرة من القرن الماضي والأحداث الجسيمة التي شهدتها، من غزو العراق للكويت عام 1990 والحرب الشاملة المدمرة التي شنتها الولايات المتحدة وحلفاؤها بعد ذلك، وسقوط جدار برلين، وتفكك الاتحاد السوفياتي، وانهيار المعسكر الاشتراكي.

وفي هذه الرواية التي صدرت مؤخرا، نرى كل هذه التغيرات من خلال تفاعلات مجموعة من العراقيين، الذين هربوا من العراق، بسبب حكم الطاغية، بحثاً عن وطن، يكون نقطة ارتكاز بالنسبة إليهم، وحاضناً لأحلامهم بالعدل والحرية والمساواة، التي كانت على ما يبدو، أثقل من أن يحملها العراق، لكنهم وجدوا أنفسهم يطوفون منعدمي الجاذبية في هذا الجزء من العالم، بينما يشدهم ثقل الطفولة والشباب والصبا والذكريات التي عاشوها في فترات مختلفة، منذ وجودهم في هذه الدنيا وحتى مغادرة الوطن.

المدخل الى حياة شخصيات الرواية، يكون على لسان “الدكتور يوسف”، وهو الاسم الذي اختاره ناقل محتوى هذه المظاريف لكاتبها، الرجل الدمث صاحب البيت الأشبه بالملجأ والملاذ الآمن الذي يسجل حوارات تدور بينه وبين “المرسل إليه” الذي تعمّد الكاتب عدم كشف هويته بصراحة، وهو فنان تشكيلي مبدع تجمعه صداقة من أيام الطفولة المشتركة بـ”الدكتور يوسف” برغم التناقض بين الاثنين، فأحدهما شديد الانفتاح على العالم الخارجي والآخر انطوائي منغلق على نفسه.

هناك العديد من الشخصيات في الرواية وربما يكون “أسعد” وصاحب الدفتر الأحمر المخصص للنكات أكثر الأبطال تأثراً على المستوى الشخصي من الأحداث العالمية، برغم أنه يبدو أقلهم اكتراثاً ومتابعة للأخبار، لكن أثر الكحول السريع عليه الذي يجعله يمر بمراحل مثل تحطيم الأيقونات يبين لنا مقدار الأذية التي تعرّض لها وروعة الحكمة الفطرية التي يتمتع بها مثل إيمانه بأن “كل آلامنا وأفراحنا قائمة على أفكار”.

تتولى “هاجر” مسؤولية التمثيل الأنثوي المركزي في العمل، بسحرها وفتنتها وغموض ماضيها، وعصابيتها ومزاجيتها وشغبها ولا ترى جدوى في الماضي، بل هي مقتنعة بضرورة استشارة طبيب نفساني للتخلص منه.

“الدكتورة عالية” رحبة الصدر وحسنة المعشر، أشبه بحاضنة تجمع في منزلها هؤلاء المهاجرين الذين كان عبد الإله حريصاً في انتقاء أسمائهم، بحيث لا تلمح إلى أي انتماء طائفي أو قومي والموازنة بين نسبة الحضور الأنثوي والذكوري بين الأبطال، وتمثيل أجيال مختلفة قادرة على عكس مراحل زمنية ممتدة على مدار نحو 80 عاماً.

لدينا أيضاً “ماهر” الذي بدا التوتر في علاقته مع “جليل” الثوري واضحاً منذ بداية الرواية، “ولا يطيق أحدهما الآخر” برغم انتمائهما إلى مجمع الآلهة الإغريقية فوق جبل الأوليمبس التي لا تبذل جهداً لكسب حب البشر، بل على الآخرين أن يبذلوا المستحيل لكسب رضاها.

يتم تمثيل الجيل الأقدم بشخصية “عمّو”، قديس من عصر آخر كرس حياته كلها للنضال، ويشعر أن كل الرفاق في العالم مسؤولون عن الهزيمة وهو أولهم، وعلى الرغم من امتلاكه نظرية عن وجود كون متوازٍ آخر بجاذبية أقل مما هي على كوكبنا الأرض، تكون فيه الحياة أرحم، إلا أن اكتئابه مما يجري حوله لم يحل بينه وبين دخوله سرداباً من الإحباط الذي لا يرحم وتبدد الوهم الذي تشكل لديه ولدى أبناء جيله، بعد انتهاء حرب فيتنام بأنها آخر حرب مدمرة ستشنها البشرية ضد بعضها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى