“مرآة ونصف وجه”.. قصائد تدين الحروب ومُشعِليها من الطغاة

المراقب العراقي / المحرر الثقافي…
يُعد الشاعر قاسم محمد مجيد واحدا من الشعراء الذين يمتلكون الحس الانساني الكبير الذي يبدو واضحا في العديد من قصائده التي تدين الحروب وجنرالاتها ومشعليها من الطغاة في العراق وفي هذه القراءة التي كتبها الناقد قاسم المشكور عن مجموعته الاخيرة التي تحمل عنوان ” مرآة ونصف وجه” تبرز عددا من الإضاءات على شعره وشاعريته”.
قاسم محمد مجيد يخرقُ المحظور في أسئلته المرتبكة
لماذ نحزنُ؟
ولماذا نذرفُ الدموعَ؟
بل لماذا وُجدت الأحزان، والأخطاء، والأخطار، والكوارث، والحقارات في هذه الحياة أصلاَ؟ هل هي مُعادلٌ نوعي للمسرات، والأفراح التي تتعطف بها الحياة علينا بالتقسيط، أم أنها عقابٌ لنا على إبتساماتٍ تلبّستنا في لحظات نادرة؟
لا أظن أنّ الكونَ بكل ما فيه من وجود مادي ضخم، وهائل يساوي دمعةَ مظلوم ضاقت به سبل الخلاص من عنت، وظلم جلاديه، أو عبرةَ اختنق بها طفل يتيم قُتلَ أبواه على أيدي قتلةٍ “أشاوس” !.
حقاَ أنه لأمرٌ محيرٍ، وشائكٌ، ومربكٌ انْ تأمرنا الحياةُ بالدوران في فلك الشرف، والعفة، وانْ نكون طيبين، حالمين، نؤمن بالعدل، ونوقر الرحمة، ونمجد الوفاء، ثم تأتي بعد ذلك لتفعل بنا غير ما امطرتنا به من وصايا، وتعليمات.
والأنكى من هذا، وذاك أنها خلقتْ فينا العقلَ الناقدَ، الشغوفَ بالأسئلة، عقلاَ لا ينامُ على جهل، ولا يمنحُ تشوهات الحياة موافقته، ثم تستدرك هذا بانْ تضع خطوطاَ حمراء لسقف أسئلتنا، وتطلب منا أن لا نتجاوز هذه الخطوط في تطلعاتنا لكشف الحقائق، وبذا تكون قد وضعتْ جدراناَ صماء عالية تحول دون التعريض بالتشوهات المبثوثة في تفاصيل جسدها المريض.
أجمل ما في النص أنّ الشاعرَ يقدمُ لنا فيه كشفاَ شفافاَ، وبيناَ في عاهات حياتنا التي نحياها.
إنه مواجهة حقيقية، وجريئة مع خيبات الإنسان التي تعصف بها تقلبات الزمن.
هي اسئلةٌ في تفاصيل، وجزئيات ملحة، وعلى حد وصف الشاعر (أسئلة مرتبكة)، ولكنها تظل تسبح في فضاء الألم، وإنْ لم تاتِ بصيغة إستفهامية مباشرة.
يقول الشاعر :
لا يمكن التنبه
الى أين
يمشي جسد الحب بأطرافه الصناعية!!.
هل هناك معنى أقسى من أنْ يعجزَ المرءُ عن تحقيق التكافؤ بين ما يؤمن به، وبين ما تجود به الحياة عليه من تناقضات، وأوهام، الأمر الذي سيقوده وتحت ضغط (العجز عن الصبر، والمطاولة) إلى أنْ يعترف بانْ في رأسه كونا من الأوهام ينوي نشر غسيله على الضباب.
يقول الشاعر:
في رأسي كون من الاوهام
سانشر غسيله على الضباب
وكثيرون معهم مرايا
ويعترفون في الخفاء. إنهم يشبهون
فزاعة حقل.
وقد ذُهلتُ أيَّما ذهول عند قراءتي لهذا المقطع من النص، فقد قدم الشاعرُ رأياَ جريئاَ يفترسُ كل محاباتنا، ودبلوماسيتنا، وتعايشنا السلمي مع أوهامنا، ثم ياخذ بأيدينا ليدخلنا في لحظة الثورة على الذات، وعلى الآخرين بمراياتهم، وإعترافاتهم التي جاءت في الخفاء لا العلن، إنهم يشبهون فزاعة حقل كما يرى ذلك الشاعر.
الحب في النص
هل الحب حقيقة ينبغي الدفاع عن وجودها؟
أم أنه وجودٌ مزيفٌ، ووعدٌ كاذبٌ يقدمه المتاجرون به؟
فإنْ كان حقيقةَ ناصعةَ، فلماذا حينما ترفع الحربُ يدها لتحية الجنرالات يُرسل الحبُ إشارة إعتذار عن تغيبه من الصورة.
يقول الشاعر:
حين ترفع الحرب يدها لتحية الجنرالات
أرسل الحبُ
إشارة إعتذار عن تغيبه من الصورة
هل على الحب أنْ يكون ضحية لحماقات الممسكين بتفاصيل الخراب؟
لقد تقيأت الحياةُ كل حقاراتها، وتوحشها حينما منعتْ النورَ من أنْ يصل إلى رقعة الفرح الصغيرة في هذا الكون الفسيح.



