حياة الطيبات

الشيخ صاحب الصادق..
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾.
في الحياة الدنيا خطان متوازيان: خط الطيبات وخط الخبائث، وليس أمام الإنسان إلّا الانخراط في أحد الخطين شاء أم أبى، فإما أن يحيا حياة الطيبات فيسعد، وإما أن يغرق في الخبائث، فيشقى في حياته.
ولا تنحصر ﴿طَيِّبَاتِ﴾ في الأطعمة والأشرية، بل الآية الكريمة التي تلوناها مطلقة وعامة تشمل كل مجالات الحياة، ولكن لماذا الخطاب موجه للمؤمنين خاصة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ذلك لأنَّ الإيمان بالله تعالى وبرسالته هو الخطوة الأولى في حياة الطيبات، الايمان هو أطيب العقائد على الإطلاق، ومن يعتنق الايمان الطيب لا بدَّ أن يكون خطه في الحياة خط الطيبات، فالخبائث لا تجتمع مع الايمان، لا تجتمع لا في القلب والذهن، ولا في الفكر والواقع، المؤمن طيب وينبغي أن تكون حياته طيبة، لذلك يخاطبه الرب المتعال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾.
فإن لم تكن حياة الشخص طيبة أو لم تكن بعض جوانبها كذلك، فعليه أن يبحث عن السبب، فهل هو الذي حرَّم الطيبات على نفسه؟ أم أنه متكاسل، ضعيف الارادة، مترهل، لا يجهد نفسه من أجل توفير الطيبات، بل يريدها ان تنزل عليه من السماء؟ بينما الثقافة الدينية تقول: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَىٰ﴾ المؤمن الطيب هو المؤمن النشط الساعي المجتهد، وكنتيجة لسعيه ونشاطه واجتهاده تكون حياته مليئة بالطيبات.
ولكي نعرف مدى اهتمام الدين بالطيبات والحياة الطيبة، لا بد من إلقاء نظرة خاطفة على مكانه هذه الكلمة في القرآن ومصاديقها التطبيقية، حيث ان كلمة ﴿طَيِّبَاتِ﴾ تكررت في القرآن 20 مرة، أما المجالات الحياتية التي يفترض في المؤمن أن يطلب فيها (الطيب) من الأمور، فهي في الحقيقة كل المجالات الحياتية التي يعيشها الانسان في هذه الدنيا، ولكن على سبيل المثال نشير الى المجالات التالية:
- الطعام والشراب: ﴿كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ المؤمن يبحث عن الأطعمة والأشربة الطيبة، ولا يقترب من الأطعمة والأشربة الخبيثة (المضرة، المحرمة، النجسة، المغصوبة من الآخرين، المسكرة والمخدِّرة وهكذا).
2- المسكن: ﴿وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً﴾ المسكن الطيب هو ما يكون في موقع جغرافي حسن، وما يتمتع بالهواء النقي، وضياء وشعاع الشمس، والسعة الكافية، وأدنى مستلزمات الراحة والسكينة.
3- الذرية: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً﴾ وهي الذرية الصالحة.
4- الظواهر الطبيعية كالرياح: ﴿وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ﴾ وهي الريح التي تفيد ولا تضر، فلا هي عاصفة مدمِّرة، ولا هي ساكنة مرهقة، بل تجري بلطف وتجري معها السفن في أعالي البحار.
5- الكلام: ﴿كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ﴾ وكلام الانسان من عمله، وللكلام آثار جمة وعظيمة (سلبية أو ايجابية) فالإنسان المتزن يكون كلامه طيبا.
كل هذه الطيبات التي تشمل كل مجالات الحياة المادية والمعنوية، لمن هي؟ يقول الله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ فالذي لا يعيش حياة طيبة عليه أن يراجع حساباته، ليكتشف أين الخطأ؟ لماذا هو بعيد عن الطيبات: لماذا لا يكافح من أجل توفيرها والتمتع بها؟.
والآية التي تلوناها في مفتتح المقال، تنهى عن تحريم الطيبات التي أحلها الله، فلا شك ان الآية لا تقصد بالتحريم الفتوى الشرعية، إنما ربما تعني انَّ على الانسان ان لا يمنع الطيبات عن نفسه بالكسل والترهل والبطالة وعدم السعي والاجتهاد.
وكذلك لا يجوز للإنسان، ان يمنع الطيبات عن الآخرين، المؤمن لا يستأثر بالطيبات لنفسه، بل يريدها للآخرين أيضاً، والسؤال: ختام الآية يتضمن النهي عن الاعتداء: ﴿وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ فما هي العلاقة بين الاستفادة من الطيبات وبين عدم الاعتداء؟ ربما تشير الآية الى أن المؤمن الذي يسعى للاستفادة من الطيبات عليه أن لا يقرن استغلاله للطيبات بالاعتداء على النفس وذلك بالإسراف في الاستفادة من الطيبات، وايضا لاعتداء على حقوق الآخرين بالاستئثار بالطيبات وحرمات الآخرين منها، اضافة الى الاعتداء على أحكام الشريعة وذلك بالحصول على الطيبات عن الطرق المحرَّمة والممنوعة، فالطيب لا يكون طيباً إلا إذا كانت وسيلة الوصول اليه طيبة أيضاً.



