المعايير الغربية المزدوجة تجمع الروس والفلسطينيين في خندق واحد

بقلم: جمال واكيم..
في السابع من تشرين الأول 2023، انطلقت عملية طوفان الأقصى بعد هجوم شنته حركة المقاومة الإسلامية حماس وفصائل المقاومة الفلسطينية على مستوطنات وقواعد إسرائيلية في منطقة غلاف غزة، ما وجه ضربة قاسية إلى مفهوم الأمن القومي الصهيوني ومشروع الهيمنة الأميركية في المنطقة التي تعطي “إسرائيل” الدور الريادي في النظام الإقليمي فيها.
المواقف الرسمية الروسية
منذ اندلاع الجولة الأخيرة من الصراع، أطلقت روسيا سلسلة مواقف تمايزت بشكل كبير عن المواقف التي اعتمدتها خلال العقود الثلاثة الماضية، والتي تميزت بمجاراة الغرب في دعمه لـ”إسرائيل” أو في مهادنة الكيان الصهيوني.
بعد انطلاق العملية، صرح الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قائلاً إن تصاعد التوتر والصراع في الأراضي المحتلة نتج من الدور السلبي الذي أدته الولايات المتحدة في إدارة ملف الصراع العربي الإسرائيلي، مطالباً بتشكيل منصة دولية جديدة ترعى المفاوضات العربية الإسرائيلية، ومطالباً ضمنياً بدور روسي رئيسي في هذا الإطار.
قد يرى المراقبون أن هذا الموقف نابع من مصلحة جيوسياسية روسية في عدم ترك الملف الرئيسي في منطقة الشرق الأوسط حكراً على الأميركيين، وخصوصاً أن موسكو تسعى لمنع هيمنة واشنطن على الشرق الأوسط حتى لا تنجح الأخيرة في منع الروس من الوصول إلى شرق المتوسط والمحيط الهندي، إلا أن المتتبع لمواقف الرئيس الروسي يرى أبعاداً أخرى في مقاربته لملف الصراع العربي الإسرائيلي، وخصوصاً “الصراع” الفلسطيني الإسرائيلي.
الرئيس الروسي أعلن في خطاب آخر أن حصار غزة من قبل “إسرائيل” يشبه إلى حد كبير حصار لينينغراد من قبل النازيين الألمان خلال الحرب العالمية الثانية. لا يعكس هذا فقط تشبيهاً لـ”إسرائيل” بألمانيا النازية، وهو خطاب لم يعتمد من قبل من جانب أي قوة أوروبية، بما فيها روسيا، لكنه يعكس بعداً شخصياً بالنسبة إلى الرئيس بوتين، وخصوصاً إذا علمنا أن عائلته كانت من ضمن المحاصرين في لينينغراد، وأنّ أباه وأمه فقدا أخاً أكبر منه خلال الحصار نتيجة الجوع، وأن بوتين نفسه ولد بعد عدة سنوات من الحرب بعدما كان والداه قد يئسا من الإنجاب، وهذا يعطي الموقف الروسي جانباً شخصياً إنسانياً يرتبط مباشرة برأس هرم السلطة.
كذلك، إن تشبيه بوتين لحصار غزة على يد “إسرائيل” بحصار لينينغراد على يد النازيين لا يشبه فقط “إسرائيل” بالنازيين الألمان، بل يشبه أيضاً بين “إسرائيل” والنازيين الجدد الذين تقاتلهم روسيا في أوكرانيا. لهذا السبب، أعلن المسؤولون الروس أنهم يواجهون العدو نفسه الذي يواجهه الفلسطينيون.
أثر المعايير الغربية المزدوجة
وقد انتقد توم بورتيوس، نائب مدير برنامج هيومن رايتس ووتش، الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي لرد فعلهما المنضبط على الأعمال القاسية التي يقوم بها الجيش الإسرائيلي في قطاع غزة، والتي تسببت في سقوط عدد كبير من الضحايا بين المدنيين وتدمير البنية التحتية.
وفي الوقت نفسه، أشار الخبير الأميركي إلى أنَّ القادة الغربيين تحدثوا خلال العام الماضي عن العملية الخاصة للقوات المسلحة الروسية في أوكرانيا، وشددوا على أهمية مراعاة القواعد الدولية للحرب.
لقد وصل استخفاف الغرب ونفاقه إلى مستوى اضطرّ حتى المنظمات غير الحكومية ووسائل الإعلام في الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي إلى الاعتراف بهذه الحقيقة، ولو بشكل غير مباشر.
على سبيل المثال، وصفت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي ما وقع في 9 آذار 2022 بأنه جريمة حرب، وسارعت إلى اتهام روسيا به، على الرغم من شهادات شهود عيان أكدت مسؤولية الجانب الأوكراني عن الهجوم وتبرئة الجيش الروسي من هذا الحادث أو من استهداف أي منشأة مدنية أخرى.
في المقابل، أن الولايات المتحدة تسعى إلى تبرير الانتهاكات العديدة لقواعد الحرب من قبل صديقتها “إسرائيل”، بل إن الإدارة الأميركية أعلنت أن من غير المناسب إجراء تحقيق دولي في الهجوم الإسرائيلي على المستشفى الأهلي في غزة يوم 17 تشرين الأول.
ووفقاً للمتحدث باسم وزارة الخارجية الأميركية ماثيو ميلر، فإن “تل أبيب” قدمت أدلة على أنها ليست الجهة التي نفذت الهجوم، زاعمة أن فصيلاً فلسطينياً هو الذي هاجم المستشفى، ما أدى إلى ذبح 800 مدني فلسطيني، علماً أن الأدلة كلها أثبتت مسؤولية “إسرائيل” عن هذه المجزرة ومجازر أخرى.
وبحسب وزارة الصحة الفلسطينية، فقد سقط أكثر من 20 ألف ضحية من المدنيين، نصفهم من الأطفال و30% من النساء، إضافة إلى كبار السن.
ويعتقد المراقبون الروس أن من الممكن أن تسعى “إسرائيل”، التي تختبئ وراء السلطة السياسية لحاميتها الرئيسية الولايات المتحدة، لتدمير البنية التحتية المدنية في قطاع غزة بشكل كامل لإجبار الفلسطينيين على مغادرة أماكن إقامتهم الدائمة.
وفي الوقت نفسه، يعتبر الغرب الفظائع التي ترتكبها “إسرائيل” دفاعاً عن النفس، فيما تُحرم روسيا من حق الدفاع عن النفس ضد الإبادة الجماعية التي ارتكبها النظام الفاشي الجديد في كييف ضد الروس في دونباس.
كل هذا جعل روسيا تشعر بأن عوامل كثيرة تجمعها مع الجانب الفلسطيني في صراعه مع “إسرائيل”، فالفلسطينيون كانوا وما زالوا ضحية لـ”إسرائيل” المدعومة من الغرب، كما هي حال الروس في الدونباس، الذين كانوا وما زالوا يتعرضون للهجوم والقصف من النظام الفاشي في كييف المدعوم من الغرب. إضافة إلى ذلك، فإن الفلسطينيين في الأراضي المحتلة هم ضحية المعايير الغربية المزدوجة، كما هي حال الروس الذين يعانون المعايير الغربية المزدوجة.
لذلك، أن تعاطف الروس مع الشعب الفلسطيني في محنته الآن يتجاوز البعد الجيوسياسي ليعلي من شأن البعد الإنساني الذي قد يجعل العلاقة بين الروس والفلسطينيين وثيقة جداً، وهو ما عبر عنه قادة حماس وباقي فصائل المقاومة الفلسطينية الذين أشادوا مراراً بالمواقف الروسية.



