اراء

بعد ربع قرن على التحرير.. المقاومة هي بل أقوى

بقلم: د. بلال اللقيس..

تبدو قصة حزب الله والمقاومة أشبه بلغز لا يمكن تفسيره بأدوات المدرسة الواقعية المتبناة في غالبية أدبيات سياسة الأمس. أنْ ينتقل حزب بمجتمع مهمش إلى قلب المشاركة ثم للمساهمة في صناعة تأريخ المنطقة بظرف قياسي لهو فعلا لغز مُحير.

حتى الذين راهنوا على نهايته بعد خضة الـ ٦٦ يوما الكبيرة تفاجأوا بسقوط رهانهم بعودة المقاومة لإنتاج الوقائع واستعادة التوازن النسبي مع العدو والتأثير الحاسم في الواقع اللبناني وخطف الضوء مجددا للقوى الاقليمية بل والدولية الرئيسة.

وحتى الذين اعتبروا في اغتيال سماحة الامين العام السيد نصر الله اغتيالا لمحور المحور فوجئوا أن المحور ولد بعد هذه الشهادة وأن الامين العام الشيخ قاسم تمكن أن ينهض بالمسؤولية وينطلق بالمقاومة بزخم وعزم مضاعف وغموض حير الأعداء والأصدقاء بدأت نتائجه تظهر بقوة.

لا شك أن عوامل عديدة تقف خلف هذا الصعود المتضاعف، تتقدمها القيادة الشجاعة الحكيمة والمجتمع المتبصر بشأنه والمنهج الايماني والجهادي الذي خص نفسه به وفق فهمه للإسلام.

قصة حزب الله والمقاومة في لبنان ستبقى سرا في عقب الاجيال تتكفل يد التأريخ بتبيينه ولا أظن أن ادوات خصومنا واعداء المقاومة قادرة على تفسيره وتفكيكه، فحزب الله ومقاومته ستستمر مع لبنان والمنطقة بلا انقطاع.

ولما كان التأريخ والتجربة علم مستأنف. فالقضية بدأت حين انطلق القطار الأمريكي للمنطقة عام ٩١ بعد انهيار الاتحاد السوفياتي واختلال التوازن العالمي الكلي لصالح أميركا، حينها اتُخذ القرار بشطب حزب الله عن الخارطة وحركات المقاومة وكانت أول حرب يخوضها حزب الله مختلفة عن طريقة الاستنزاف التي اعتمدها منذ انطلاقته وأتت النتيجة في ظل تلك الايام بما لها وما عليها بظروفها وتعقيدات وقدرات الاطراف فيها وخبراتهم، أتت بنتيجة مغايرة لإرادة الأمريكي الإسرائيلي وبعض اللبناني بالكامل.

هكذا فشلت خطة أميركا وكونداليزا رايس ومن معها في لبنان في إسقاط المقاومة إذ نجحت المقاومة في خوض مواجهة على خطين خارجي مع الكيان وجيشه وداخلي على خط الحكومة والسلطة السياسية التي فعلت كل وسعها حتى اللحظات الأخيرة للمطالبة بإنهاء حزب الله وإحداث الانقسام في البلد على خيار المقاومة، لكن خرج حزب الله منهما اقوى وأصلب عودا. ثالث تلك المحاولات الكبيرة كانت الحرب السورية وهي اخطر التحديات التي واجهها حزب الأخ حتى حينه ، فبينما كان العراق في مخاض تشكل سمات المقاومة في هويته الجديدة ويعاني مما ورثه إياه بريمر من هشاشة تامة في بنية الدولة، كانت سوريا بمثابة العمق الاستراتيجي الوحيد للمقاومة في لبنان سياسيا ولوجستيا ، وكانت مشاركة حزب الله في هذه الحرب حفظا لسوريا ككيان بقي ممانعا أمام الكيان الصهيوني (بالحد الادنى) ودفعا لتمدد داعش فصار لاعبا مهما في التوازنات الاقليمية بل نوعا ما الدولية إذ إن مستقبل سوريا كان محل صراع دولي حاد باعتبارها قلب المنطقة العربية وهويتها السياسية بالغة التأثير على مستقبل لبنان وفلسطين .

لم ينتهِ مخاض ٧ تشرين وطوفان الأقصى إلى الان رغم اقترابنا من شوطه الأخير ولا شك أن هذه الجولة كانت تأريخية وغير مسبوقة بامتياز ودائرتها كامل الاقليم. لكن بقراءة سريعة هو حقق عدة اهداف مركزية كبرى:

* أفشل حتى الان اهداف العدو رغم ثلاثة أعوام متتالية من الحرب المفتوحة وقدم نموذجا أسطوريا مع بقية قوى المقاومة (غزة) في المقاومة والصمود والثبات. واكتسبت المقاومة مشروعية عالمية لم تحز عليها من قبل.

* كرس دوره في جبهة المقاومة والتي كان أسًّا في تشييدها وتثبيت دعائمها، ويمكن القول انه صار هناك جبهة مقاومة فعلا وواقعا تدير وتنسق وتخطط وتنتج قواعد وتقابل الضغط بالضغط حين الحاجة وتقاتل وتفاوض بمنظور شامل وتُكمّل بين الابعاد والساحات دون تضييع خصوصية كل ساحة وحيثياتها.

جدد ذاته وأطلق نموذجا محدثا في تجربته السياسية والجهادية بقيادة أمينه العام الشيخ نعيم قاسم، وكان ذلك مفاجئا للبعيد والقريب .

أبعد اسباب الفتن المذهبية التي أرهقت الامة لعقدين وأكثر وأجهض النفث الأمريكي فيها ونجح وبقية قوى المقاومة في فليسطين والمنطقة في توجيه الجهد والطاقة المجتمعية في واقعنا العربي والإسلامي بل والدولي تدريجيا حول عدالة القضية الفلسطينية وفي التصدي لإسرائيل واميركا وكشف حقيقتها وخطورتها على الإنسانية جمعاء   .

أظهر قدرة استثنائية على القيادة السياسية في ظل العواصف الهوجاء ونجح انوي حافظ على استقرار الداخل اللبناني وتجنيبه الفوضى رغم الالم الشديد والطعنات والتخاذل والتآمر. أما عسكريا فأسقط ويسقط كل يوم معادلة تفوق العدو حتى القني منها واجترح قواعد وأنماط جديدة من الاشتباك والصراع، بحيث أمكن القول إن الجيش الإسرائيلي بات اليوم في فخ قاتل امام المقاومة في جنوب لبنان ويعاني غياب أفق لعمله.

نجح ومجتمعه في بناء خطاب أخلاقي إنساني متقدم منذ انخراطه في معركة الإسناد وهذا ما كانت أمتنا أحوج لأنفسنا وللرأي العام العالمي.

اليوم إذا نظرنا لهذا المسار من منظور تأريخي يمكن القول، إن كل محطة من المحطات كانت لها حيثياتها وإمكاناتها وظروفها واستعداداتها عند الطرفين العدويين، لكن لب الصراع لا زال هو هو والهدف هو هو، وكما خرج حزب الله والمقاومة من المحطات الثلاث الماضية اقوى، فإنه وبالاستفادة من نفس المنهج الذي واجه به والروح والعقلية والقواعد التأريخية الحاكمة للصراع سيتمكن من تجاوز هذا التحدي الكبير بنجاح. فالهجوم أكبر بكثير ومركب أكثر وأعقد، هذا صحيح، لكن ايضا حالة المقاومة صارت أصبح وأفصح وأعمق بكثير وممتدة اقليميا بل عالميا ايضا.

بالنظر إلى حركة التأريخ ونقلاته ودوراته وما بدأ يرتسم من مؤشرات، فإنّ المقاومة في المنطقة وفي قلبها حزب الله ستخرج من هذه الحرب الاقليمية الدولية بمعادلات أهم مما مضى ليس أقلها نهاية الاحادية الأمريكية، وبداية صياغة نظام إقليمي جديد وسيسقط وإلى الأبد وهم شرق أوسط جديد على قياس إسرائيل. 

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى