“سيرة مختلفة”.. العيش بين ذكريات خلخلتها الحروب وأزيز الرصاص

المراقب العراقي / المحرر الثقافي..
يرى الناقد رياض خليف أن ديوان “سيرة مختلفة” هو مجموعة قصائد يعيش من خلالها الشاعر جاسم الخالدي بين ذكرياته المختلفة التي خلخلتها الحروب وأزيز الرصاص.
وقال خليف في قراءة نقدية تابعتها” المراقب العراقي”: إن” هذه القراءة لمجموعة جاسم الخالدي التي تحمل عنوان “سيرة مختلفة” تصف مظاهر حضور الذاكرة، مسجلة ما فيها من جمع بين وجوه السيرة، الاجتماعي والعاطفي والأدبي. وما فيها من تحولات هذا الخطاب السيري من خطاب نفسي إلى خطاب يحمل بعدا جماعيا، ويرسم ذاكرة جماعية فيمتزج الشعر باليومي ويصبح إلى كتابة للإنسان العراقي برمته وهو يعيش بين ذكرياته المختلفة التي خلخلتها الحروب”.
وأضاف :” أن الكتابة الشعرية لا تخلو من صور وأحاسيس ناتجة عن فعل التذكر. فالقول الشعري هو قول مسكون بالماضي، أفراحا وأتراحا، ندوبا وجراحا، يحمل في باطنه ما ترسب في الذاكرة من يوميات وتفاصيل ووجوه مضت أو انقطعت تجربة الشاعر معها فثمة برزخ ممتد من التخييل الشعري تنخرط فيه الذاكرة في عملية إنشاء القصيدة وصبغها بروح أدبية وهو ما يتجلى في حضور أشكال مختلفة من التذكر في تجارب شعرية كثيرة”.
وتابع :أن “مجموعة «سيرة مختلفة» جاءت مفصحة منذ عنوانها عن صلتها بالسيري والذاكرتي. كتابة تنهل من الأمس وتتذكره، وتكتب شيئا من ذات الشاعر وتفاصيله، فإذا الكتابة الشعرية تذكّر والتقاط للصور العابرة، وإذا القصائد تكتب تفاصيل سيرة الذات وتلمح إلى سيرة الشاعر وما فيها من أحداث ولعل أول مظاهر هذا الخطاب التذكري استدعاء بيت الطفولة وطقوسه وشخصياته. ومن الطبيعي أن يتصدر البيت وعالمه مثل هذا الخطاب، فالبيت فضاء حميمي وخزان ذاكرة وهو فضاء ألفتنا، على حد تعبير باشلار”.
وأوضح: أن “جاسم الخالدي ينسج نصوصه الشعرية مقتنصّا ما تتيحه ذاكرة البيت وهو فضاء الطفولة الحالمة وسنوات الشباب. فتحضر في بعض المقاطع صورة الأم والأب وبعض أفراد العائلة. ونسجل حضورا للكثير من الطقوس والعادات فنرصد طقوس البادية وتمثلاتها، وما فيها من أجواء الطفولة المندفعة إلى زيارات المراقد.
« حين كنا صغارا
نذهب كل عام إلى المراقد
تصطحبنا أمهاتنا…»
ويستدعي الشاعر الكثير من الوجوه القديمة الراسخة في الذاكرة، على غرار مدرسة القرية والمعلمين. فتجد المدرسة الطينية وبعض وجوهها:
المدرسة الطينية
تقاعد معلموها
وأما أبو حسن فحمل جرسه ورحل.
يطغى على هذا التذكر إحساس الرحيل وتغير الحياة. فالقرية تبدلت وجوهها تغيرت في المدرسة أو الدكاكين:
ومن كان يجلس عصرا عند الجمعية الفلاحية
أظنهم قد اجتمعوا
في مكان آخر…
فإذا كتابة الذاكرة تحمل في باطنها أكثر من صرخة وتعبر عن شيء من الأسى لتغير الواقع وتحول الحياة من حالة البساطة إلى شيء من الجحيم:
كنا ننام على سطوح بيوتنا
دون فزع
فلا أزيز الرصاص يبدد سكون ليلنا الهادي
كنا نسهر مع القمر
نعد النجوم
نجمة نجمة…
وواصل :”ولعل هذه الكتابة تخرج من البعد الذاتي الفردي لتصبح كتابة لذاكرة جماعية، ذاكرة الأجيال وما فيها وهو ما يشير إليه الناقد ياسين نصير: أن الكثير من المقطوعات الشعرية مكتوبة بضمير جماعي لأن كاتبها جاسم الخالدي استبطن تاريخ الأشياء المشترك في طفولتنا وقرانا ومرابعنا وقفشات الحب والغزل، وتتبع صدى العائد من النظرات عبر النوافذ والأبواب وطرائق القرية”.
وختم :”يمكن القول إن كتابة الذاكرة تبدو خطابا متحسرا على الأمس ومنزعجا من الراهن. لكن الشاعر يوسع ذاكرته إلى مرحلة أخرى من مراحل حياته وهي مرحلة الانتقال إلى المدينة والانضمام إلى المشهد الشعري”.



