شيفرة الليل بين البؤرة الظلامية وفاعلية الآخر الضوئي قراءة في قصائد مجموعة «بستان الليل» لكاظم مزهر

حيدر عبد الرضا
توطئة
أن القارئ لمجموعة قصائد (بستان الليل) للشاعر البصري كاظم مزهر لربما يجد أن (الذات الشاعرة) تتشكل ضمن آفاق استعارية/ تماثلية يحاول من خلالها الشاعر مزهر استثمار طاقاته الذواتية الصورية و التوصيفية المتعددة في أربعة سياقات، هي: (المكان، الحياة اليومية، الطبيعة، أزمنة الذات) وذلك في سبيل الكشف عن الجوانب الفنية الجمالية/ الأيقونية التي يتمثل بها دال (الليل) داخل حدود مجسات (الذات، القرينة، الموضوعة، العلاقة، النسق) وصولاً الى منطقة حركية تشكلات حسية مخيالية تسعى لخلق دلالات توصيفية جادة لدليل ودال (الليل) لتعبر عنه على وفق التحولات المسارية الابعادية ـ العلائقية وما تتضمنه من محاورات تضمينية خاصة في بنية القصيدة. ويمكننا إدراك هذا التشكل النسقي في عناوين مجموعة قصائد الشاعر كقصيدة (بستان الليل) وقصيدة (طائر الليل) وقصيدة (فوضى ذاكرة الليل) وقصيدة (أجوس وجوه الليل) وقصيدة (سماء الليل) وقصائد أخرى كان لها ذات المنحى في علاقة شيفرة الليل في متون ومحاور ومتواليات الحضور الشعري الدوالي في قصدية موضوعة المجموعة.
الذاتية الواصفة وتعاليل المصير الشكلي
إن من أبرز المظاهر الأسلوبية والدلالية في عوالم قصيدة الشاعر كاظم مزهر هو ذلك الاهتمام في إشغال موقعيته الذواتية الراصدة لنزوعات (أنا الجمعية)، أي بمعنى ما أن الشاعر دائماً في موضوعاته الشعرية يكون بعيداً وقريباً عن متاريس (الانا الشعرية) وصولاً الى قيمة احتوائية/ اشتمالية إزاء علاقات صور الأشياء داخل مكنون أناه المتكلمة والتي لا يقابلها سوى وجه تناوبية الأصوات والمظاهر المدلولية في تحولات علاقة المستوى الدلالي الشامل في أتون إجرائية صوت المؤكد من حاضنة الدوال في مساحات النص:
الليلة التي لم تأتِ إلي فيها
كانت ليلة قاتمة..
حمراء، لا بمعنى ليالي السلطان الماجنة
لكنها ليالي الفقراء
حين نعاين فكرة مقاطع القصيدة بعدّها كياناً عضوياً متماسكاً. نتابع منها وجه تقلبات الدليل الأرسالي في عنصر الوحدة الشكلية (كانت ليلة قاتمة) من هنا تظهر لنا مستويات وسائط الظرفية/ الزمانية/ الذاتية ومن ناحية تبدو أكثر رؤية لأساس جوهرانية (السبب/ المسبب)، ولكن نجد المستوى الظرفي في دلالة النص تابعا لغاية الوصول الى محطة (الإمكان الاستعادي) وصولاً الى وحدة مشخص وظيفة الزمانية/ الارتدادية: (حمراء/ قاتمة/ التي لم تأتِ إلي/ ليالي السلطان الماجنة) بحيث تبدو الدعوة التقريبية عبر هذه الأدوات الوصلية خاضعة جميعها الى تركيبة ما في زمن التسمية/ الحلم وتمظهراته/ حساسية التنوع.
إلا أن الطريقة التي كان الشاعر يرسم فيها حلمه الليلي تقوده الى أن يجعل منه حلما شموليا وخاصا: (لكنها ليالي
الفقراء/ ليالي السلطان الماجنة/ الليلة/ كانت ليلة/ قاتمة). لذا فان لحظة الحساسية الاقفالية التي تضع الاداة الشعرية فيها نهاية ما بدت و كأنها عودة مفترضة مما يؤكد أن الذات الشاعرة في وساطة إيهامية معطوفة نحو خصوصية فعالية حلم لأي شاعرية محورية ما ومركزية أخرى ما:
يا ليل..
أيها السواد الرمادي
المتكرر في الزوايا
كأسمائنا التي تلاحقنا
(من الليل الى أفق الولادة الاستجابية)
في دلالات قصيدة مجموعة (بستان الليل) تتمثل مظاهر النص في أيقونية أحداثه وحركية موضوعته الواصفة التي أخذت تؤلف في مسارها الإيحائي مجالا خصبا لاستيعاب أفعال وثيمات ودوال (الليل/ الموت/ الولادة/ الاحتمال/ التصور) لأن من شأن منظوريات أحداث النص وبتموجاته الكيفية داخل المستودع المقروئي راحت تعد بمثابة المادة الأساس لأسئلة واستجابات القراءة استناداً الى تجاوبات تواصل وتفاعل مظاهر النص نفسها:
الليل ساعة أنظر فيه، الساعة ذي
رائق مثل قطعة صافية من ظلام
انهمكت أيدي الرياح بجلائها
لا بقعة غيم
لا خيوط غبار تعكر سحنته السوداء
ينفتح هذا المدى من عتبتة التصدير التي جاءتنا تحمل مخطوطة انكشافية دوال تقارب فاعلية المتن التضميني المشترك إزاء وظيفة تشكيلية ما من شأنها تحفيز فضاء العدم واللا جدوى نحو فضاء رمزية تنقل حساسية القراءة التصور نحو أرضية بلا إيحاء ما أو قصدية علامية ما لإدراك ملاحظة أقتطافات هذا المأخوذ التصوري المخالف: (الليل ساعة انظر فيه) لا شك في الأمر هنا بأن غاية الحساسية التوصيفية التي من شأنها جعل وقائعية المعنى داخل بنية الذات الشاعرة مرورا لعملية استبدال الحقيقة بالوهم الإمكاني المستعار (قطعة صافية من ظلام/ انهمكت أيدي الرياح بجلائها) وتبعا لهذا نعاين بأن بنية الإيقونية الظلامية راحت تتلمس طريقا لفعل التباين والاطلاق خاصة وأن دلالة الجملة السابقة (الليل ساعة انظر فيه) قد تحولت الى دلالة مسارية مضيئة لولادة (انهمكت ايدي الرياح/ قطعة صافية من ظلام) مما ينكشف عنها ذلك المدار التخييلي الاحتجابي للحالة الشعرية وهي ضمن دائرة الترسيمة المضافة من زمن دلالة جملة (غبار تعكر سحنته السوداء). وهنا يمكن تأكيد النظر في رواية الأحداث الشعرية في القصيدة. بيد أننا نلاحظ بأن للشاعر دوال عين ظلامية عويقة الغور والتعرف حيث بوسعها أن ترى ما لا يرى الآخرون.
تعليق القراءة
ونحن في غمرة زمن فصول قصائد مجموعة (بستان الليل) صرنا نعاين بأن الفضاء والمكان والزمان والذات في خطاب النص تتصل وحدود دوال ضاغطة ومحتشدة في كثافة لافتة للرؤية القهرية والسوداوية على صفحة بياض حلمية تصويرية جملة الأيقونية الاستفهامي: (هل ترى بستان الليل؟ ليس لأشجاره زارع سواك؟)، وإذا ما انتقلت الذات الشعرية في مفصلية أخرى من مفاصل الكشف عن صلة فضاء التداخل الشعري. فاننا نعاين وبدقة ملحوظة بأن لقصيدة كاظم مزهر ثمة إضافة مشرقة في إنجاز فعل تعليل دلالة الظلام وعلى نحو فضاء انفصالي تتجه إليه الذات الشاعرة صارخة لتنفي عن نفسها فلسفة ثنائية (الظلام/ الضوء):
ما الليل إلا غروب الشمس
الغروب ليس إلا غياب الضوء
كل ذلك لأن الأرض تدور
الليل لا يغادر ولا يعود في الأماكن
الليل غياب شيء . النهار حضور شيء
الزمن غياب و حضور.
فالمعادلة واضحة تمام الوضوح في سياق تعبيرها المتوازي. إذ أن الطرف الأول منها الأنا/ سواك/ الآخر يوازي ويتضاهى ويتعامد مع الطرف الثاني (أمرق من جوف ليل/ فأهيب كبد ليل آخر)، وحتى تتحول المعادلة (الأنا الشاعرة/ جوف الليل) من فضائها الظلامي الى فضائها الذاتي الشعري فإن على الطرف الثاني ان يكون خلاصا للطرف الأول: (أفكار تغنى/ أفكار تستحدث/ أيتها الشمعة البديلة/ لماذا تنطفئين/ والجلد يكابد الأسفلت/ في نبرة السرير..؟) من هنا تصبح آلية القطب الأول بمثابة المرجعية الرؤيوية التي تعتمدها أداة الذات الشاعرة لدعم قصدية إحلال اشكالية المعادلة وإحلال قدرة الآخر القرين محل عجز الأنا الظلامية المغيبة في تمظهرات جدلية (بستان الليل) وحدود مساحاته الافتراضية والرمزية والاستعادية والتعويضية.فالشاعر المبدع الأخ كاظم مزهر في مجموعته الشعرية (بستان الليل) قد أعطى للأفعال الظلامية النافية والفانية والتي بدورها أخذت تحجب نهارات الذات الشاعرة الكاملة في أن تنتظم داخل السياق الشعري انتظاما دراميا وحركيا فاعلا راح يكشف لنا عن وعي رؤية الشاعر في تمظهرات كيفية محددات مصير النص الشعري على اساس من أشكالية التوافق أو عدم التوافق بين قطبي شيفرة الليل/ الظلام وبين قطب (والستائر المسدلة لا تخلق ليلا).هكذا وجدنا الذات الشاعرة أخيراً تستعين بوسائط معطيات الآخر الشريك (في حضرة الضوء) لإنجاز مهام مفاصل دلالية تعويضية وانتقالية في منطقة ثنائية الظلام والليل الى حدود مسارية وفاعلية الدليل الضوئي الآخر في زمن فضاءات قصائد بستان الليل.




