مؤسسات المجتمع المدني ودورها في العملية التعليمية
مركز البيان للدراسات والتخطيط
د. عبدالكريم حسين الفيصل ، باحث في العلوم التربوية
إنّ المجتمع العراقي لا يستطيع أن يقف بعيدا عن دائرة التأثّر بما يدور حوله من تقدم في المجالات كافة، ومن ثم لا يستطيع أن يحافظ على وجوده قوياً وفاعلا إلا بالوعيّ التام لمتغيرات الحاضر، والاستعداد لكل ما هو قادم استعدادا واعيا مدروسا معتمدا على الركيزة الأساسية، وهي بناء واعداد الإنسان العراقي على وفق معطيات التطور العلمي والتكنولوجي المتسارعة ، والتي على أساسها تتحدد احتياجات مجتمعنا وصفات وخصائص الفرد الذي ستتولى مؤسساتنا التربوية والتعليمية إعداده ليؤدي المتوقع منه.وقد تكون مؤسسات وزارتي التربية والتعليم العالي هما الملجأ الوحيد والاساس في الوقت الحاضر الذي نلجأ إليه في إعداد أفراد مهيئين لمواجهة المستقبل بكل تحدياته وغموضه المستمر بسبب التغيرات الكبيرة التي يشهدها العالم من تطورات علميه وتكنولوجية سريعة في مختلف قطاعات الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والصناعية ، وكل ذلك ألقى أعباء جمة على دور المؤسسات التربوية والتعليمية في إعداد هؤلاء الافراد القادرين على التكيّف، ومواجهة متطلبات التغير السريع وعلى فهم التكنولوجيا وصناعاتها والتعامل معها بنجاح في عصر الانفجار المعرفي وعصر سهولة الحصول على المعلومات التي لا يمكن ملاحقتها واستيعابها في ظل النظم التعليمية الحالية.والمشكلة هي إن التسارع الكبير في جوانب المعرفة وتولد علوم ومعارف جديدة أدت في بعض الأحيان إلى تلاشي الفترات الزمنية بين نشوء النتائج العلمية وتطبيقاتها، كل ذلك أسفر عن معدلات سريعة من التغيرات أصابت كل مفاصل الحياة ، مما يتطلب إعداد أشخاص يستوعبون ما يحدث من تغيرات، وأكثر من ذلك، والمشاركة في صنعها وتوجيهها.إن الأسلوب التقليدي في التعليم الذي يتبع في مدارسنا هو التلقين والتحفيظ لأجل هدف واضح ومحدد وهو اجتياز الاختبارات المدرسية بنجاح، والذي لم يعد قادرا على إعداد افراد قادرين على مواكبة كل هذه التغيرات، في حين أنّ المطلوب هو إعداد افراد قادرين على إحداث التغيرات المنشودة وضبطها، كما لم يعد أسلوبا فعالا في فهم واستيعاب المادة التعليمية من أجل تطبيقها في مجالات الحياة المختلفة، وغير فعّال أيضا في التكيّف مع التغير المتسارع في مستجدات العلوم والتكنولوجيا وفي وضع حلول لمشكلات المستقبل الغامض.لذلك أيا كانت أنماط التعلم والمهارات التي يكتسبها الطلبة في مؤسسات التعليم والاساليب والطرائق المعهودة، ستصبح غير ملائمة لتنمية قدراتهم على التكيّف مع الثورة العلمية والتكنولوجية وأنماط الاعمال والنتائج والمتغيرات التي تتبعها.وقد اختزلت وظيفة التربية ودور المدرسة على تدريب ذاكرة التلميذ من خلال التلقين والحفظ والاسترجاع، الأمر الذي أدى إلى قمع روح الابتكار والإبداع لدى المتعلمين وحتى المعلمين و وأد اهتماماتهم، حتى وصل الحال الى تحميل المسؤولية لأولياء الأمور تارة، أو لكل جديد يقتحم حياتنا تارة أخرى، واصبحنا لا نستطيع أن نحدد الكيفية التي نتعامل بها مع المعرفة بمفهومها الواسع بشكل دقيق.فأصبحت المعلومات والمعارف التي نقدمها في منزلة عُليا، ونتج عن ذلك ما يسمى بالتعلم البنكي، أي التعليم الذي يقوم على أساس تلقين المعلومات وحفظها واسترجاعها واغفال الامكانات التي يمتلكها الطالب، وتعطيل نموّها بدل الارتقاء بها، ونتج عن ذلك انسلاخ المدرسة عن واقعها حيث زادت الهوة بين ما يتعلمه الطلب داخل المدرسة وما يخبرونهم وما يستقوه من قضايا وتطورات دخلت المجتمع ، فأصبح تفكير المتعلم اسير لماض سحيق ولعالم دراسي لا وجود له في اللحظة التي يعيشها الطلبه، قياسا لما يتعلموه من المنهاج الخفي وغير المعلن عبر وسائل التواصل الاجتماعي المختلفة التي فرضت نفسها على الجميع.فقد ترتب في عصر الانفجار المعرفي وسرعة تدفق المعلومات على تزايد الحاجة إلى استخدام المعلومات وارشفتها وتنظيمها واختزانها واستردادها وتوصيلها الكترونيا وبسرعة متناهية. ولكن هذا الأمر قد أدى إلى تغيير مضمون المعارف وتقادمها وظهور معارف جديدة أدت إلى استغناء الإنسان عن حاجته إلى تخزين واسترجاع المعلومات عقليا، بل إلى زيادة حاجته إلى تنمية قدارته العقلية التي تمكنه من التجديد والابتكار والاكتشاف، والأهم هو كيفية توظيف الكم الهائل من المعلومات المتوفرة لديه في التطبيقات العلمية والعملية.كما إنّ الممارسات التربوية الحالية في العالم المتحضر لم تعد أسيرة للتفكير المثالي أو للاجتهادات الفردية لمجموعة من الأفراد الذين مكنتهم السلطة الإدارية لتولي زمام الأمور، لأن العلوم التربوية قد حققت تقدما ملحوظا بسبب التطور والتقدم التكنولوجي الذي انعكست تأثيراتها على مجال التربية فكرا وممارسة، ومما يؤكد ذلك ظهور اتجاهات حديثة في مجال النظم التربوية تبين أن التربية نظام مفتوح يرتبط عضويا بالمجتمع ويؤكد على تبعيتها لكل ما يحصل فيه من تطور.إن بقاء العملية التعليمية أسيرة الكتب المدرسية لا يولد إلاّ جيل من أنصاف او ارباع المتعلمين قمعت لديهم طاقات الإبداع، ومن أجل ذلك سعت كثير من المجتمعات والعديد من دول العالم الثالث إلى مراجعة أنظمتها التعليمية والتربوية مراجعة شاملة وجذرية بهدف إعداد مواطنيها ومجتمعاتها للقرن الحالي والمستقبلي. فأين نحن من ذلك؟ النقطة الأساسية هي أنّ العراق يفتقد ولحد الآن إلى المؤسسات والمراكز البحثية في الكثير من التخصصات بشكل عام وفي مجال التربية والتعليم بشكل خاص، وبالرغم من أن وزارتي التربية والتعليم العالي اتخذت خطوات جادة في تطوير مستوى التعليم وجودته، الا انها انشغلت بإيجاد الحلول للكم الهائل من المشكلات التي ورثتها من النظام السابق في هذا الخصوص.لغرض تحديد ما هو المطلوب في المرحلة القادمة في مجال التربية والتعليم، لنستشرف ما سيتميز به مستقبل العراق القادم كي تتوضح الأمور أكثر، والتي يمكن أن نلخصها في النقاط الآتية: –
1) سيعتمد المستقبل القادم على البحث العلمي التكنولوجي فائق التقدم مما يتيح التجديد والإبداع بشكل سريع وخصوصا في المجال الصناعي والاقتصادي والاتصالات وغيرها من القطاعات الأخرى، وكذلك ستتأثر البنى الاجتماعية والثقافية بما سيحدث بشكل أكبر مما تأثرت به في المرحلة الحالية.
2) سيتم الاعتماد على نظام اتصال الكتروني وتدخل تكنولوجيا الاتصالات المعاصرة في كل مفاصل الحياة ومنها التعليم (مثل التعلم عن بُعد والتعليم الإلكتروني والتعليم المبرمج وغيره).
3) سيتجه المجتمع نحو التعددية وارتفاع مستوى لا مركزية اتخاذ القرار.
4) سيسعى المجتمع نحو مصادر الطاقة المتجددة وايجاد بدائل جديدة للمواد الطبيعية المهددة بالنفاد.
ومن هنا صار على المؤسسات التربوية والتعليمية أن تتوجه إلى تفضيل احتياجات المستقبل المتوقعة على غيرها من الأمور الحالية، والتخطيط لآليات جديدة تساعد على تحقيق تلك الاحتياجات ولذا أصبح من الضروري إعادة النظر في بنية التعليم وتنظيمه ومن جوانب متعددة (المعارف، الأهداف، طرائق التدريس، تكنولوجيا التعليم، التقويم، بالإضافة الى المهم منها وهو اعداد المعلم والمدرس).ومن هنا يجب ان نلتمس الحلول السريعة والممكنة ولنضع بدءاً على عاتق كليات التربية والتربية الأساسية الجزء الأكبر من المسؤولية من خلال توليهم مسؤولية اعداد مدرسين ومعلمين يؤمنون ويسعون إلى تحقيق الملامح المطلوبة في الجيل القادم.



