اخر الأخباراوراق المراقب

صلح الإمام الحسن “ع” مع معاوية.. الأسباب والنتائج

يعتبر الكثير أن عقد الصلح بين الامام الحسن عليه السلام ومعاوية امر غير جيد، دون التوغل في حيثيات هذا الصلح والاسباب التي جعلت الامام عليه السلام يوافق على عقده.

تعتبر المرحلة التي صالح فيها الإمام الحسن عليه السلام معاوية بن أبي سفيان من أصعب مراحل حياته عليه السلام وأكثرها تعقيداً وحسّاسية وأشدها إيلاماً, بل إنّها كذلك وعلى مدى حياة أهل بيت رسول الله عليهم السلام, وقد أصبح صلح الإمام عليه السلام من أهم الأحداث في التاريخ الإسلامي بما تستبطنه من موقف بطولي للإمام المعصوم عليه السلام، وبما أدّى اليه من تطورات واعتراضات وتفسيرات مختلفة طوال القرون السالفة وحتى عصرنا الحاضر, وألّف الباحثون المسلمون في توضيح وتحليل الصلح كتباً عديدة, وأصدر الأعداء والأصدقاء أحكامهم بشأنه.

وذكر المؤرّخون أنّ الإمام الحسن عليه السلام بعد أن رأى خيانات جيشه والمحيطين به ونفاقهم, مع أنّه لم يبق له ثمّة أمل في ثباتهم وصمودهم في مواجهة العدو, ومع انكشاف ما تنطوي عليه تلك الضمائر من رغبات, لكنّه عليه السلام ولكي يتمّ الحجة ألقى فيهم الخطاب الآتي: “ويلكم ! والله إنّ معاوية لا يفي لأحد منكم بما ضمنه في قتلي, وإنّي أظنّ إن وضعتُ يدي في يده فأسلمه لم يتركني أدين بدين جَدّي, وإنّي اَقدِرُ أن أعبدَ الله عزوجلّ وحدي, ولكن كأنّي أنظر إلى أبنائكم واقفين على أبواب أبنائهم يستسقونهم ويطعمونهم بما جعل الله لهم فلا يسقون ولا يطعمون, فبُعداً وسحقاً لما كسبته أيديهم, وسيعلم الذين ظلموا أيّ منقلب ينقلبون”.

لم يبق أمام الإمام الحسن عليه السلام سبيلٌ غير القبول بالصلح, وترك أمر الحكم لمعاوية فترةً من الزمن, ويتبيّن من خلال التمعّن في بنود معاهدة الصلح أنّ الإمام عليه السلام لم يقدّم أيّ امتياز لمعاوية, وأنّه عليه السلام لم يعترف به رسمياً باعتباره خليفةً وحاكماً للمسلمين, بل إنّما اعتبر الحكم القيادة حقّه الشرعي, مثبتاً بطلان ادعاءات معاوية بهذا الصدد.

أسباب الصلح كما تُصَوِّرُها النصوص عن الإمام الحسن عليه السلام:

1- روى الشيخ الصدوق في”علل الشرايع”بسنده عن أبي سعيد الذي سأل الإمام الحسن عليه السلام عن السبب الذي دفعه إلى الصلح مع معاوية من أنّه عليه السلام يعلم أنّه على الحقّ وأنّ معاوية ضالّ وظالم, فأجابه الإمام عليه السلام:”يا أبا سعيد, ألستُ حجّة الله تعالى ذكره على خلقه, وإماماً عليهم بعد أبي عليه السلام ؟ قلتُ: بلى، قال: ألستُ الذي قال رسولُ الله صلى الله عليه وآله لي ولأخي: الحسن والحسين إمامان قاما أو قعدا ؟ قلتُ: بلى, قال: فأنا إذن إمام لو قمتُ, وأنا إمام إذا قعدتُ, يا أبا سعيد عِلّةُ مصالحتي لمعاوية علّة مصالحة رسول الله صلى الله عليه وآله لبني ضُمْرة وبني أشجع, ولأهل مكة حين انصرف من الحديبية, اُولئك كفّار بالتنزيل ومعاوية وأصحابه كفّار بالتأويل, يا أبا سعيد إذا كنتُ إماماً من قبل الله تعالى ذكره لم يجب أن يُسَفَّه رأيي فيما أتيته من مهادنة أو محاربة, وإن كان وجه الحكمة فيما أتيته مُلتبساً.

2- ذكر زيد بن وهب الجُهني أنّه بعد أن جُرح الإمام عليه السلام في المدائن, سألته عن موقفه الذي سيتّخذه في هذه الظروف, فأجاب عليه السلام: “أرى والله معاوية خيراً لي من هؤلاء, يزعمون أنّهم لي شيعة, ابتغوا قتلي وانتهبوا ثقلي, وأخذوا مالي, والله لأن آخذ من معاوية عهداً أحقن به دمي وآمَن به في أهلي خيرٌ من أن يقتلوني فيضيع أهل بيتي وأهلي, والله لو قاتلتُ معاوية لأخذوا بعنقي حتى يدفعوني اليه سِلْماً, فو الله لإن اُسالمه وأنا عزيز خيرٌ من أن يقتلني وأنا أسيره أو يَمُنّ عليّ فتكون سُبّةً على بني هاشم إلى آخر الدّهر, ومعاوية لا يزال يَمُنُّ بها وعقبه على الحيّ منّا والميت.

3- وعن سبب الصلح روى العلاّمة القندوزي في”ينابيع المودة”أنّ الإمام الحسن عليه السلام ألقى في الناس خطاباً جاء فيه:”أيّها الناس قد علمتم أنّ الله- جلّ ذكره وعزّ اسمه- هداكم بجدَّي وأنقذكم من الضلالة, وخلّصكم من الجهالة, وأعزّكم به بعد الذلّة, وكثّركم به بعد القلّة, وأنّ معاوية نازعني حقّاً هو لي دونه, فنظرت لصلاح الاُمّة وقطع الفتنة، وقد كنتم بايعتموني على أن تُسالموا من سالمني وتحاربوا مَن حاربني, فرأيتُ أن اُسالم معاوية وأضعَ الحرب بيني وبينه, وقد صالحته ورأيتُ أنّ حقن الدماء خيرٌ من سفكها, ولم أرد بذلك إلاّ صلاحكم وبقاءكم (وإن أدري لعلّه فتنة لكم ومتاع إلى حين”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى