اخر الأخبارالاخيرة

الأهوار.. مملكة تبعث تنهيدة “الدللول” وترسم خارطة الحزن الجنوبي

المراقب العراقي/ خاص..

على تنهيدة “الدللول” يُولد الجنوبي مجبولاً على الحزن وكأن روحه تعتقت بما يحمله ماء الأهوار من أساطير تلف معها أهازيج السومريين التي تنقلها روايات كان قد كتبها الأجداد القدماء بأوراق البردي حتى تجسدت كواقع قد تجده ماثلاً أمامك في مناطق ميسان والناصرية ومشارف مدن عراقية متآخمة جغرافيا.

وعلى أنغام حزينة تبعثها حركة القصب قريبا من هور أم النعاج في مدينة الكحلاء بمحافظة ميسان، تجلس صبرية صاحبة السبعين عاماً تداري آخر دمعة قد تنسكب بحثاً عن ذكرى الذين رحلوا بعيداً عن ماء الهور الشاسع، هي صورة الابن والأب اللذين غادراها في مساء يوم كادت فيه المشاحيف ان تنطق من شدة وجع الفراق.

تقول صبرية، ان “يوماً ارتفعت فيه مكبرات الصوت تطالب الرجال بالجهاد، وعندها خلت المنطقة إلا من النساء بعد ان رحل الشيبة والشباب نحو مدن احتلها الإرهاب”، وتضيف: “مازلتُ اتذكر كيف كان الوداع بين زوجي “ابو محمد” ومشحوفه الذي لم يفارقه طيلة حياته “كان فراقا صامتا كأنه عتب حبيبين”.

وتسترسل صبرية وكان يتسلل منها النعي الجنوبي “دللول الولد يبني دللول، بعدها “مشككة الشيلة يمدللول” وكأنها تناغي طفلا تحاول اجباره على النوم بهدوء، لكنها تستحضر صورة ولدها محمد الذي عاد مجددا اليها بعد أسبوعين، ولكن هذه المرة مخضب بدماء الشهادة يتقدمه نعش ابيه المغطى بالعلم العراقي”.

ولا تختلف قصص الآخرين عن أوجاع كانت توزعها الأيام بالتساوي على ابناء الجنوب، فكل جمرة تغور في أعماق أحدهم تنبئ عن فقدان الأخ أو الأب أو الابن، وكأنها تراجيديا دائمة يتقاسمون ملحها حتى صارت تجسيدا لواقع يرسم الحزن، إلا ان تلك المدن الثرية بالعطاء كثيراً ما حولت الدمعة الغائرة في الروح الى ثورة وأهزوجة من الابداع الذي يشق رياح المصاعب ويسجل حضوراً بهياً يقال عنه “صوت الجنوب الحر”.

فيالها من أحزان دفعت بأكبر المبدعين والكتاب والمفكرين ليكونوا عنوانا لوطن يبحث عن آهاته في مدن الضيم والقهر والحرمان ليسخرها ايقونة من الحنين والحب ويحيل فيها الدمعة الى محطة للفرح، يجسد فيه الماء أجمل ترنيمة حينما يعانق القصب بشوق الراحلين، بحسرة الغرباء، يا لها من عجينة أوجدها هذا الحزن الذي يغذي أهله بالبقاء والحضور الدائم.

هكذا يشق ابن الهور مهمة الحياة العسيرة، كما يشق المشحوف ماءً متدفقاً منذ نحو سبعة آلاف عام، يدفعه نحو جنان المياه الواسعة بهدوء رجل قد امتزجت بين سيماء وجهه رحلة شاقة لا تزال تسجل في صفحاتها محطات من الفرح، برغم شح الأنهار التي تعتصر ألماً لفقرها عن ارواء عطش مملكة الجمال “الأهوار”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى