جاذبية الدمج السحري بين الحضارة الرافدينية والحداثة في لوحات مكي عمران

المراقب العراقي / المحرر الثقافي...
يرى الناقد رياض إبراهيم أن التشكيلي مكي عمران متمكن في الدمج السحري بين الحضارة الرافدينية والفن الحديث .
وقال إبراهيم في قراءة نقدية خص بها “المراقب العراقي”: إن عوالم وتكوينات وطلاسم وسحريات مكي عمران لا يشبه بعضها بعضا، إلا أنها تعيش اللحظة الزمنية نفسها في ذهنه ومخيّاله، فهي حرة في سلوكها وطقوسها وفطريتها وفهمها للحياة، وتتخذ الشكل والمنطق والحياة التي تناسبها وتجد نشوتها وشغفها فيها، فلا قوة تقوض حياتها حتى فرشاة مكي عمران غدت مهادنة لها في الشكل واللون والفضاء والحجم، الذي تبغيه داخل إطار اللوحة، فهذا الانسجام والتوحّد عند الفنان، وهو في حالة انصهار تام مع مخلوقاته، وأحيانا قد تغدو مخلقة لأفكاره بصفته فنانا يعيش حالة اللاوعي والهذيان ليمارس طقوسه في الخلق والصنع، وكتابة نصوصه على خاماته في رحلته التي أقصت كل المرويات واليقينيات والتابوهات، لتتحرى بعقلانية وتبحث وتحقق في الأصول والجذور وتلغي قوانين الجاذبية، محلقة في هذا العالم الفسيح، وتقرأ بدهشة ما تركه السلف من قصص وحكايات وأثر وثقافات.
وأضاف :إن”استحضار كل القيم من رموز وقصص وأساطير وميثولوجيا في رسومات مكي عمران واستعراضها على خاماته في أسلوب ينتمي إلى المدرسة المستقبلية والتجريدية التعبيرية، ما هي إلا إحالات ومحاولات فكّ الاشتباك الفكري للإنسان منذ بدء الخليقة (يعبر الفنان التجريدي عن نفسه بطريقة لم يستطع الفن البصري التمثيلي القيام بها، لأن التجريد بالنسبة له يمس غرائزه وذاته الداخلية، مثلما يعد سبيلا لفهم نفسه أكثر. أما بالنسبة للمشاهد فإن الفن التجريدي طريقة رسم تناسب التعبير عن المعاني الذاتية التي تتجاوز الواقع وتصور المفاهيم غير الملموسة. ونقل المشاعر والعواطف التي لا يعبر عنها بالكلمات ولا بالصور التمثيلية. وفي كل الأحوال يتطلب التجريد الكثير من الإبداع ومن أعمال الخيال)”.
وتابع : إن “الرائي لاشتغالات مكي عمران، وأخص بالذكر هنا أعماله الحديثة، تجدها تدور في هذا الفلك الفني وتصبح اتجاها فنيا لديه من خلال اعتماده على أشكال بانورامية (رموز وأيقونات وطلاسم وأشباح من طيور وحيوانات وبشر وخطوط وتمائم وتعوذيات وأقنعة) في إخراجها وتكويناتها وألوانها وتعددها وتكرارها، وتتخذ من الحركة الدائرية من الأعلى إلى الأسفل على شكل سلم أو هرم وبحركة الأشكال وتمثّلها على السطح التصويري بكل الاتجاهات، وملء كل فراغات فضاء اللوحة دون ترك أي مساحة خالية من التكوينات والألوان، هي تقنية فنية يعتمدها لتفصح عن غاية جمالية وتعبيرية، ولتؤكد استحضار التاريخ والزمن وديمومة الحياة، فإن الحركة الدائرية هنا بمثابة تمثيل لصيرورة الحياة وتجددها واستمراريتها بشكلها المخلوق والغامض، أو الظاهر منها، وخلق طقس روحي وديني، بما ينسجم مع المعتقد الأسطوري والميثولوجي للإنسان البدائي على مختلف عصوره “.
واشار الى أن” توظيف بعض الألوان دون غيرها في جداريات الفنان وسيادة لون على حساب ألوان أخرى كمنظر طاغٍ على المشهد الشكلي في أغلب لوحاته، لتعطي شارات للمتلقي بأن النص المشيّد الذي تشاهده ما هو إلا مخيال يجسم حجم الهوس والقلق واستحضار الذاكرة لديه، وهي غاية جمالية قبل أن تكون فكرية ولتعطيه شكلا يتماهى مع مفهوم الفن الجداري والبانورامي المعمول عبر الفن القديم، خاصة اللون البني الذي يميل الى البرتقالي مع توظيف اللون الأبيض والأسود والرمادي والأزرق لتحافظ الرموز على شكلها وكينونتها ودلالاتها الرمزية كعقائد وأديان وأعراف، كما جاءت في سياق الفنون القديمة.في عالم محتدم من المقدسات الأرضية والسماوية والافتراضية يخلق مكي عمران ألواحه التشكيلية بافتراضات أخرى ليصنع له مساحة من التفكر والتصور هربا من الأسئلة التي تتصارع في فكره، والتي لم تلبِ الأجوبة التي وضعتها الأرض والسماء، هذه الحَيرة والقلق الذي ينتابه كواحد من غالبية ليست بالقليلة التي تبحث عن سؤال وجودي تاريخي لم تصل الاجابات عنه إلى حالة اليقين. ما بين الأسطورة والخرافة والنصوص المقدسة والعقلانية يصبح الأمر أكثر عسرا على المثقف وأكثر قلقا ويصبح الإنسان محقاً للتفكير بالمخاوف التي تداهم حياته وفكره ووجوده”.
وأوضح :أن” توظيف الرموز الفرعونية ووادي الرافدين وطوطميات الشعوب الافريقية والآسيوية والأسترالية ولكل شيء بدئي ومحاكاة عقائدها وطقوسها وأعرافها ودياناتها هي إحالات غائية لاسترجاع فني قد أغوت الفنان لتتماهى مع ذائقته وأسئلته وما يختلج في نفسه من هموم. تبدو لوحات أو جداريات مكي عمران في ماهيتها توثيقا وقراءة جديدة بأسلوب فني وتوثيق للتاريخ الإنساني من عصور ما قبل الحضارات إلى ما بعده،إن نكوص الإنسان في عصر الحداثة وما بعدها وخذلانه تجعله يعود مقصيا للجذور والأصول والبدائية فقد يجد ضالته هناك ليشعر قليلا بالاستقرار والطمأنينة والسكون مؤقتا، كي يستعيد نفسه أو يجد لنفسه فرصة على قبول كل تناقضات هذا العالم المجنون .



