أهمية الوعي الديني

لا يختلف إثنان على أهمية وضرورة وجود الوعي سواءٌ أكان في جانب الدين او جميع مجالات الحياة الاخرى، حيث هو المبرمج لما يتخذ من تصرفات صحيحة التي تنبع من فهم الانسان ومعرفته بامور حياته واتخاذ القرارات وفقا لهذا الوعي حتى لا يقع في خانة الندم بعد حين.
إنّ الوعي الديني يحصّن صاحبه من التخبّط في أوحال الرذائل والابتلاء بالآفات السيئة والانحراف وراء الاغراءات المزيّفة وهو يدفع صاحبه إلي اكتساب أسمى الصفات الرائعة والتحلّي بأفضل السمات النبيلة التي تعين صاحبها على نيل الأهداف السامية.
والوعي هو الفهم وإدراك ما يحدث حولك، وأن تُحكم عقلك ولا تسلم نفسك لأحد، وأن تعي جيدا ما يواجه وطنك من تحديات وتهديدات ومخاطر، وألا تسمح لأحد بأن يوظفك ويستخدمك لتكون ذريعة ضد دينك.
إن الوعي بقضايا الدين ومسائله يُوجّه المتدين إلى المضمون والغاية التي يستهدفها الدين في نصوصه وتشريعاته، ويركّز في نفس الإنسان محورية تلك الاستهدافات والغايات المقصودة للدين، لتكون منطلق الانسان وقبلته في مختلف توجهاته وممارساته
وحين يغيب الوعي أو يضعف، يصبح التدين شكلياً، ومجرد عادات وطقوس فردية واجتماعية، من هنا فإن تعميق الوعي يجب أن يكون أولوية في الخطاب الديني.
ولأن الالتزام الديني ليس شأنُا فرديًا فحسب، بل هو مسار وهوية اجتماعية أيضًا، فإن ذلك يتطلب تحقيق مستوى من الوعي الاجتماعي، بفهم واقع المجتمع والظروف والتحولات التي يمر بها، من أجل تنزيل قيم الدين وتطبيق تشريعاته بما يتناسب مع واقع المجتمع ويواكب أوضاعه.
ويربط علماء النفس بين البلوغ وبروز العواطف الدينية حتى انهم يقولون إنها تُلاحظ عند البعض ممن كانوا مسبقاً غير مهتمين بتعاليم الدين اذ تستفيض نزعات الايمان فيتجه لإدراك مفاهيم الدين وتصوراته فمن هو خالق العالم وما هي العبادات وما الموت والحياة وما هي فلسفة الوجود.
ويجسد الوعي الديني قول الله تعالى في الآية الكريمة: “إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم” ذلك أن المعنى العميق هنا هو أن واقع الناس لن يتغير ما لم يتغير وعيهم، ولكن أزمتنا الحقيقية تكمن في تغييب هذا الوعي في علاقته بالعالم، سواء كنا نتحدث على مستوى الوعي الديني أو العلمي أو التاريخي أو الفني والجمالي!، وأن الوعي الديني الذي حسمت الأمم المتقدمة دوره ومكانته في الواقع الإنساني، ظل هو المهيمن على كل أشكال الوعي في واقعنا من خلال فهم سطحي ساذج يعمل على تغييب هذا الوعي ذاته.
إنّ الإنسان المتمتّع بالوعي الديني لا تلهيه زخارف الحياة ولا يغتر، بزينتها، لأنّه ينظر إليها علي حقيقتها، فيدرك أنّها فانية وأنّها ممرّ وسوق ومزرعة للآخرة، فلهذا لا يركن إليها ولا يفسح لمتعها ولذّاتها أن تلهيه عن ذكر ما هو أهمّ منها لأنّه يعي أنّ الله سبحانه وتعالي قد خلقه لمسيرة طويلة، وقد جرت سنّته تعالى أن يكدح الإنسان من أجل نيل السعادة في المستقبل.
ولكنّ الإنسان بما أنّه يحب العاجلة فقد ينشغل بالدنيا وينظر إليها علي أنّها غايته وفرصته، فيغفل عن التزوّد منها لدار المقرّ فيخسر صفقة الحياة ولا يكون حصاده يومَ مَعادِهِ سوى تحمُّلِ مرارةِ الندم.



