اراء

عبرالتوازن الدبلوماسي واستثمار القوة يتقوَّض انتهاك أمن لبنان وسيادته

بقلم: د. حامد أبو العز..

في نهاية آب ينتظر لبنان استحقاقا دبلوماسيا مهما للغاية وهو تمديد قوات الطوارئ الدولية (اليونيفيل) التي تعمل في الجنوب اللبناني. هذا الموضوع الهام الذي استدعى أن يسافر عبد الله بوحبيب، وزير الخارجية اللبناني إلى الولايات المتحدة لقيادة عملية التفاوض بنفسه.

تفيد الأوساط الإخبارية اللبنانية بأن عملية التفاوض لا تزال مستمرة وهي صعبة للغاية في ظل تعنت أمريكي لإجراء تعديلات جوهرية في مضمون وماهية عمل قوات اليونيفيل على الأرض. وتفيد الأوساط الدبلوماسية اللبنانية بأنها بدأت عملية التفاوض منذ حزيران الماضي.

بادئ ذي بدء  لا بد من القول إنّ تحركات الحكومة اللبنانية جاءت متأخرة في موضوع تمديد ولاية قوات اليونيفيل في الجنوب اللبناني، وذلك لأن المسار التفاوضي مع القوى الكبرى كان من المفترض والواجب أن يبدأ بشكل مبكر ومباشرة بعد التمديد الماضي في أغسطس 2022، وذلك لأن التمديد القديم حمل في طياته مقدمات لتعديلات جوهرية تمسُّ بأمن وسيادة لبنان.

من يراجع المسارات الدبلوماسية الدولية وكيفية تحقيق الدول الكبرى لأهدافها بشكل تدريجي يفهم بشكل جيّد المسار الذي تم اتخاذه من قبل واشنطن لتعديل مهمة قوات اليونيفيل بشكل تدريجي ودون لفت الأنظار.

في الحقيقة أصرّت واشنطن العام الماضي على إدخال تعديل جوهري ومهم على مهمة اليونيفيل وهو أن “قوات اليونيفيل لا تحتاج إلى إذن مسبق أو إذن من أي شخص للاضطلاع بالمهام الموكلة إليها، كما يُسمح لها بإجراء عملياتها بشكل مستقل”. بسبب فقدان الوسائل والأدوات الدبلوماسية اللبنانية تمّ تمرير القرار بالإجماع في مجلس الأمن الدولي. ولتفادي الاصطدام مع القوى المحلية وتفادي الانتقادات الصريحة والواضحة التي وجهها حزب الله لهذه التعديلات، أكدت قيادة قوات اليونيفيل في 12 ايلول 2022 على أنها تعمل بشكل وثيق مع القوات المسلحة اللبنانية بشكل يومي وهذا لم يتغير.

إذا ما فرضنا وبشكل جدلي بأنّ قيادة اليونيفيل مقتنعة بالتعاون مع الجيش اللبناني، إذاً لماذا تصرّ واشنطن على إدراج التعديل في مشروع تمديد ولاية اليونيفيل هذا العام؟

هنا نقول بأن التعديل التدريجي. في المواثيق والمعاهدات الدولية يجب أن يكون الطرف المفاوض حذراً من أي كلمة يتم إدراجها في أي وثيقة لأن ذلك يمثل التزاما قانونيا في القانون الدولي، وعلى الرغم من فقدان الآليات الملزمة في بعض الأحيان إلا أن خرق هذه المواثيق قد يوفر الأرضية المناسبة لإدانة الطرف غير الملتزم ونقصد هنا لبنان. تصر واشنطن على إدراج هذه التعديلات لمنحها الصفة القانونية الملزمة وعليه فإنه يتم تفويض قوات اليونيفيل أن تمارس أعمالاً لا تخضع لرقابة القوات المسلحة اللبنانية في منطقة الجنوب الحساسة للغاية، هذه المنطقة المرشحة للانفجار بشكل دائم.

لم تكتفِ الولايات المتحدة وحلفاؤها بإدراج هذا التعديل الذي يمس السيادة اللبنانية وحسب بل أخرجوا مهام قوات اليونيفيل من الفصل السادس الذي يدعو إلى فرض السلم الدولي عبر المفاوضات والوسائل السلمية إلى الفصل السابع الذي يقر بشرعية استخدام القوة العسكرية لاستقرار السلم والأمن الدولي.

ومرة أخرى يقفز إلى أذهاننا السؤال الجوهري وهو لماذا لا يستطيع لبنان أن يمارس الضغط لحذف هذه التعديلات؟

في الحقيقة الإجابة ليست معقدة كما يُتصور بل هي بسيطة نوعا ما وتتلخص في أن المكونات الرسمية في لبنان تتجاهل عن عمد أو غير عمد مصادر قوتها الدبلوماسية وتتجه نحو اتباع نهج قديم أثبت فشله في أكثر من مناسبة.

نعتقد جازمين بأنه يجب على الحكومة اللبنانية الاستفادة من قوة حزب الله كسبيل لتحقيق الأهداف الدبلوماسية المرجوة. يعترف العدو والصديق بأنّ لحزب الله قوة هامة تم توظيفها في العديد من الملفات وساهمت في تحقيق النفع العام. لنأخذ على سبيل المثال ملف ترسيم الحدود. فلولا التهديد ولولا الترابط الوثيق بين القوات المسلحة اللبنانية وحزب الله لماطلت إسرائيل بهذه المفاوضات إلى يومنا هذا. كما أن قوة حزب الله هي التي دفعت الحكومة الفرنسية إلى تبني مقاربات مشابهة لحل أزمة الكرسي الرئاسي. يتمتع حزب الله بقوة ونفوذ واسعين في الجنوب حيث تعمل قوات اليونيفيل وهو لديه من القوة العسكرية التي تجعل إسرائيل تقف على قدم واحدة ولذلك كان لا بد من توظيف هذه القوة في مسار المفاوضات.

من ناحية أخرى تضع الحكومة اللبنانية جميع بيضها في السلة الأمريكية وتحاول أن تحصل على تنازلات من الولايات المتحدة في الوقت الذي يعلم فيه الجميع بأنّ ما تقوم به الولايات المتحدة هو مطالب ورغبات إسرائيلية محضة.

التعامل أحادي المسار مع الولايات المتحدة جعل الحكومة اللبنانية تفقد التوازن الدبلوماسي مع المعسكر الشرقي (الصين وروسيا). حيث لم تستثمر الحكومة اللبنانية في الصراع الأمريكي الروسي ولم تتقارب مع روسيا وتجاهلت كذلك التنافس الأمريكي الصيني وهذا ما جعلها تخسر الفيتو الروسي والصيني العام الماضي ويجعلها قريبة من أن تخسر هذا الفيتو للعام الثاني على التوالي.

ختاماً، لا بد أن نعي جميعاً أن التعديلات على التوافقات الدبلوماسية لا تتم بين ليلة وضحاها بل هي عملية طويلة المدى، تتخللها عمليات مد وجزر وعليه فإن على المفاوض اللبناني أن يتخلى عن اتخاذ مقاربات أحادية المسار وأن يتجه للعب على التوازنات الدبلوماسية وذلك لأن تمرير مثل هذه التعديلات يعني تعدِّيا واضحاً على أمن لبنان وسيادته واستقلاله.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى