إنتظار وقصص أخرى

عبدالرزاق السويراوي
خلود
أفنى شطراً كبيراً من عمره في البحث عن سرّ الخلود في الحياة. طاف في مشارق الأرض ومغاربها. وأخيراً إعتقد, أو كادَ, أنه إقترب من ذلك حين صادف رجلاً غريب الهيئة, في صحراء, بدتْ في سعتها, لا متناهية.
وقد وقف بزهوٍ قرب رأسِ رجلٍ كان واضحاً أنّه مات للتو وهو مرمي على الأرض فيما إنعكست أشعة ضوء شمس الظهيرة على ذرات رملها الصحراوي.رماه الرجل بنظرة, فأرعبته كما لو أنها وخزته في قلبه.
أراد أنْ يتحاشى هذه النظرات وأيضا لكي يبدّدَ القلق الذي ساوره, بادره بالسؤال متلعثماً, فخرجت الكلمات متقطعة من بين شفتيه المرتجفتين” مَنْ أنت ومَنْ هذا الرجل الذي أمَتّه دون رحمة؟ ” .
أجاب الرجل الغريب الهيئة بعجلٍ ” هذا الرجل هو جلجامش. أمّا أنا فلا شأنَ لك بي, وقد جئتك قابضاً أيضا لروحك ” .
****
تداعيات
كان يلاحقني كإسمِي . في الليل وفي النهار . كنت أتوسّلُ اللحظةَ التي تفارقُ صورُتُه ذهني بأنْ تطولَ كدهرٍ , علَّ خوفي يغادرُني . فكانت اللحظة التي إنتظرْتها طويلاً , ليس لأنّه مات والى الأبد , وإنّما لأنّني أنا الآخرُ شاركتُهُ موتَه .
****
حسرة
في مثلِ هذا الوقت ،من ضحى كلّ يومٍ ،كان يرقبُ أسرابَ الطيور في الأعالي ، فيكتوي بحسراتٍ حرّى تستعرُ في مشاعره مثلَ جمرٍ ، فلا يتنبّهُ إلا وصوت السجّان يعلنُ إنتهاء الإستراحة الصباحية.
****
لقاء
كان صباحاً رائقاً ‘ إذ إمتدتْ يدُ زوجته التي فارقته منذ سنوات ‘ مدّ يدَه هو الآخر ‘ ورغم شدة الرغبة بالمصافحة ‘ لكن قوة مهيمنة حالت دون ذلك ‘ كرّر المحاولة وبإصرار لأكثر من مرة فلم ينجح ‘ ثم إستدار وبإنزعاجٍ واضح ‘ تاركاٌ خلفه , قبراٌ زيّنتٔ سطحَه العلوي , باقةُ وردٍ ملونة .
****
إنتظار
مع الغبش وعلى خطّ تماسٍ ساكنٍ ،باغتتْهُ رصاصةُ قنصٍ وأخترقتْ رأسَه فأيقظ صدى أزيزها، رضيعاً في إسبوعه الأول من غفوته ،كان ينتظرُ ،هناك ، في مدينةٍ غافية وبعيدة ، لحظةَ حضورٍ لغائبٍ لم يلتقِه بعد .



