العراق بين عقلية الخوف من الدولة والخوف عليها

بقلم: محمد حسن الساعدي..
عاش الشعب العراقي طيلة أربعة عقود من ظلم وسيادة أعتى ديكتاتورية شهدتها الإنسانية على مر العصور، فقد توزع ظلم الحزب الفاشي على جميع مكونات الشعب العراقي، فلم يسلم من بطشه أحد، ومن يختلف معه كان رصيده الحديد والنار، وزنزانات الانفراد وبأبشع أنواع التعذيب، فقد تميزت فترة الطاغية السابق أنها كانت تنشر التخلف الفكري والديني والسياسي والاجتماعي، حتى عاش الشعب العراقي داخل طوق يسوده الظلام والقهر وقتل النفس المحترمة، وضياع الكرامات.
لقد عاش المواطن العراقي طيلة الأربعة عقود في عزلة فريدة من نوعها لم يشهد لها مثيل في عالم البشرية، ومن جميع الجوانب، حتى أصبح العراق هو السجن الأكبر لشعبه، وهم يقضون حياتهم بين الزج بالسجون والمعتقلات وبين إجبارهم على الذهاب إلى حروب صدام الطائشة من حرب ضروس مع إيران امتدت ثماني سنوات ذهب فيها أكثر من مليون ضحية من الجانبين.
بعد عام 2003 تنفس العراقيون الصعداء بزوال هذه الغمة، وانتهاء حكم الديكتاتورية، وشاء القدر أن يبدأ العراق مرحلة جديدة في حياته مبنية على أساس حرية الفرد والمجتمع عموماً، وأن يعيش العراقيون في بلدهم مكرمين، لا يحكمهم الجهل والتخلف، ولكن ما زاد من آلام العراقيين وعلى الرغم من آمالهم في الحياة الكريمة أن الشر كان يتربص بالشعب العراقي ليكشر عن أنيابه في عام 2006، والتي كانت من أهم إفرازات ما بعد الاحتلال هو الحرب الطائفية التي كانت ساعة الصفر في بدء مرحلة جديدة للعراقيين بمختلف مكوناتهم وطوائفهم وإثنياتهم، وما تلاها من حرب الأحزمة الناسفة والسيارات المفخخة التي نالت ما نالت من حياة العراقيين أجمع.
الايجابي في مرحلة ما بعد 2003 أنها استطاعت ترسيخ الديمقراطية في انتخاب حكومات متعاقبة، وانتخاب دستور جديد دائمي، بعيداً عن الحكم الشمولي الذي لم يرعَ أي ضوابط لاحترام الإنسان في العراق.
على الرغم من تفشي الفساد في مؤسسات الدولة، إلا أن الجهود الحكومية الرامية إلى ملاحقة الفاسدين باتت تظهر للعيان من خلال الإجراءات الحكومية المعلنة، وإيجاد حالة الاستقرار السياسي والاقتصادي في البلاد، ولكن مع كل هذه الجهود ما زالت الظواهر السلبية من فساد مجتمعي وديني واقتصادي، وهو الشكل من أشكال الفساد والذي بدأ يتحول تدريجياً إلى ظاهرة طبيعية لا يمكن ضربها أو محاربتها بأي صورة كانت .
أخيراً ..
المحاولات التي تقوم الحكومة في محاربة الفساد ومطاردة الفاسدين، لايمكن أن يكتب لها النجاح ما لم تكن هناك إرادة سياسية لذلك، وعلى جميع الصعد والمستويات، وأن يكون للبرلمان التخويل الكامل في إنهاء الحسابات الختامية لكل السنوات الماضية، كما أن من الضروري أن يكون للمؤسسات الرقابية الدور الأهم في الكشف عن الملفات النائمة التي تنتظر أن يظهر النور عليها، لكي تُكشف للرأي العام، وإزالة الغطاء السياسي عنها، وأن تنهض الدولة وتكون تحت حماية الشعب العراقي بدل الخوف منها.



