المشهدية المْشْبَعة بصُور الحِسّ والتَّخْييل في أعمال غازي إنعيم

تُشْرِك أعمال الفنان غازي إنعيم (فلسطيني أردني) الثابت والمتحرك، ضمن متوالية شَكْلية ولَوْنِيَّة يحكمها منطق رياضي شديد التلاؤم، مع ما تتخلله من مُخرجات وانزياحات مُعَقْلَنَة بدورها، إذ تخضع العناصر برِمَّتها إلى يقَظة بصرية تخدم مجموع العلاقات والتراكيب، في ما تعمل على تنسيق المُرْفقات الرمزية وتوزيعها بحَذر متناه .
نحن هنا بصدد طبيعة تصويرية تستخدم الأسْناد والخامات التشكيلية، بينما يقوم جوهر التصوير فيها على خلفية تقنية غْرافيكية تتوخى التّأليف الدَّقيق الذي لا يُسَطِّر معياره التواصلي إلّا باستنبات أناقة الشكل وصفاء اللون وما يَعْبُر بينهما من حِسّ شَفيف ينعكس على اللوحة، خاصة أن غازي إنعيم يمثل الاسم المعروف بتصاميمه الطِّباعِيَّة التي تعكس تَخَصُّصه في الملصقات الفنية التي أخضعها لأسلوبِيَّة مُعاصرة منذ ثمانينيات القرن العشرين، جاعلا منها وسائط تعبيرية تروم توطيد مسار توليدي لجمالية بصرية تدفع بالمُقاومة الثقافية الفلسطينية دون هوادة.
من ثمة، يقترح علينا هذه التوليفة التشكيلية العارِفَة التي تَسْتَنْبِت خصوصيتها الإبداعية ضمن وضعية مَرْئِيَّة تتقاسم صِبغتها وهويتها بين سِمات التصوير والغرافيك، التي تنسجم وتتماسك لتَفي بوحدة التشكيل دون أدنى تكَلُّف، في الوقت الذي تلعب فيه المهارة الحِرَفية لصالح المشهدية المْشْبَعة بصُور الحِسّ والتَّخْييل. فإذا كان فِعل التصوير يروم تعزيز طبيعة التَّعْبير من جهة، فإن فعل التصميم (الغرافيكي) يتوخى مُضاعفة طبيعة التبليغ من جهة أخرى؛ فمن هذا المنظور نَتَلَمَّس كيف تجعلنا اللوحات قريبين من عوالم الفنان الداخلية، وفي حالة استقبال قصوى لرسائله، أو ما يمكن أن نحسبه في خانة التوصيل والإبانة والإبلاغ، في الحال الذي نتفاعل فيه مع أشكاله الدّالَّة، المَقْروءَة بوضوح داخل كل سياق تكويني على حِدة، وهي المُؤهِّلات الفنية التي يمتاز بها المُلصق، الذي يعتبره غازي إنعيم نمط الفن الذي «يحمل خصوصياته من خلال العلامة الرمزية المألوفَة والقريبة من ذاكرة المتلقي لأنها رغم كثافتها، استطاعت اختصار مجاز المعنى واحتواء المضمون والمفاهيم مع التصور الكافي لطرح ذاته، ما خلق نوعا من التناغم بين الطباعة والنشر والإعلان والتوزيع، لأن التواصل بالملصق كان يبعث رسائل ويقدم عبارات ويطرح ثقافة وطن بكل ذاكرته».



