اخر الأخبارثقافية

“مثلي لا يكتفي القمر بنجمته” .. دور الاحتلال في نشر الكسب غير الشرعي 

 

المراقب العراقي/ المحرر الثقافي …

يرى الناقد د. رحيم الغرباوي، ان الشاعر حسن سالم الدباغ، في مجموعة “مثلي لا يكتفي القمر بنجمته” صار لا يألف عيشته في الزمن الماضي، طالما الهمرات هي ما تسحب العربة، في إشارة إلى دواعي الاحتلال التي دعت الكثيرين للكسب غير الشرعي، من أجل الرفاهية لقاء الانسلاخ من الجذور.

وقال الغرباوي في قراءة نقدية خصَّ بها “المراقب العراقي”: يبدو أنَّ الشاعر الواسطي حسن سالم الدباغ في كثير من نصوصه بمجموعته الشعرية (مثلي لا يكتفي القمر بنجمته) ونحن نستقرئ فيها رؤاه نجدها تطرق أفكاراً براغماتيةً (عملية) إذ نراه يدين بعض مظاهرها؛ كونها لا تنسجم مع ما تربى عليها مجتمعنا، إلا أننا نجدها سائدة فيه، وهذا ما يطلعنا عليه الشاعر ومن ذلك في قصيدته (خشية) التي يقول فيها:

فراغ

وأحصنةٌ في المرابط

لم تعد تستسيغ

الصهيل

أو الجري مأخوذة بالطريق

تجرجرُ أذنابها

إنَّها تضع الآن أعرافها

على أسطح العربات

تنام

وتحلم أن سوف تفقد حدواتها

ولا تشتهي لذة الجري في الطرقات

إذا لم تُشد إلى همرات. (ص38)

وأضاف: ان “التقاعس والفراغ صنوان متلازمان، إذ صارت في العصر الحديث الغلبة للمنفعة المادية بوجهها المُسلَّم به، فليس من اعتماد اليوم على النفس والكدح الذي فطرت عليه الأجيال، كما كانت بالأمس تتصبب عرقاً إزاء لقمة العيش، فصارت اليوم تعيش فراغاً، بعدما شاع لدى بعضهم من انتزاع قيمه ومبادئه وراح يتصيد عسى سلعةً تتأتى من دون بذل جهد؛ فلا شيء يخسره سوى التهافت على المادة دون الاحتراز للقيم التي أُودعت فيه”.

وتابع: “ويبدو أنَّ الحصان الذي كان يسحب العربة في النص الآن يقطن المرابط، بيد أنَّه يشكو الفراغ، فصار لا يألف عيشته في الزمن الماضي طالما الهمرات هي ما تسحب العربة في إشارة إلى دواعي الاحتلال التي دعت الكثيرين للكسب غير الشرعي من أجل الرفاهية لقاء الانسلاخ من الجذور، طالما أنَّ هناك مظلة تحمي موبقاتهم، فلا حاجة للكد والكدح إزاء ما تمنحهم الوفرة ومن دون محاسبة للذات أو الاسترشاد بالقيم أو حتى من صحوة الضمير، ولعل البراجماتزم التي ترى أنْ لا سؤال عن مصدر المنفعة أو “من أين جاءت أو استمدت أو ماهي مقدماتها، فإن البراجماتزم تفحص نتائجها، وهي تبتعد عن كنه الشيء ومصدره وتتجه إلى نتيجة الشيء وثمرته وعقباه” (3) فهي في كثير من أحوالها ما تغوي وتحطَّ من يلجأ إلى مساربها وسلوكها المقذع”.

وأوضح: ويبدو أنَّ الشاعر ينكر على من يناديها ما صنعت به، إذ ألقته في ظل قارعة الطريق، ومن يُلقى على هذه الشاكلة ليس إلا  العاجز الذي نفدت قوته، وما عاد ينفع وهذا أسلوب المجتمعات المادية التي لا تستعذب إلا المنتج والمعطاء، ولعل  احتطابها ذاكرته، ثم إغلاقها الباب عليه؛ كي لا يصل إليها في إشارة إلى نهاية المطاف بينهما، فلا طريق بات يوصل بينهما، ويبدو أنَّ الشاعر يلومها على فعلتها، فهو يشير بصفقها للباب بوجهه تعبيراً عن حالة نفورها منه، بيد أنه يشير إلى وداعته معها بأسلوب عتب الهادئ المُحب الذي استوحشت غيابه حتى الأبواب  في إشارة بأنه ليس السبب، إنما هي من أنهت كلَّ شيء. وبين: أما في قصيدة سابلة في مقطعها الأول (عزلة) التي يقول فيها:

يشاركهم صمتهم

يضحكون

يشاكسهم يضجرون. “ص90”

إذ نرى أنَّ الإنسان بات يجامل ويحابي من هو يرضي سريرته ، ويتوافق مع رغباته ، بيد أنَّه يضجر حين يُخالَف في الرأي حتى وإن كان مُخطئاً ، فتراه ضجراً لا يقبل المشاكسة أو الاختلاف، وكثير هم في هذا العصر الذي تسيدت فيه الأفكار المغلوطة، فباتت تمشي على قدمين؛ لفقدان القانون ما جعل الأصوات حتى الناشزة منها لها مركب في عصرنا الحاضر بما يطلق عليه العصر الديمقراطي، فمن أراه من توجهي صار يضاحكني وأضاحكه، ومن تحزَّب بما يضيِّق على مصلحتي ومنفعتي فهو ضدي، ثم يقول:

لهُ حكمةٌ

ولهم حكمةٌ يرتضونها

وما كان يعرفه:

أنَّهم

كلما انفضَّ عنهم

إلى جدثٍ واحدٍ

يدخلون. “ص 90”

فهم سابلة يبحثون عن غاياتهم، وحتى المقابر صار لهم فيها شأن لا يتركون ما فيها من منافع، وهذا حال بعضهم ولاسيما في عصر ما بعد الحداثة الذي أقصى المثال والقيم وراح يشيع المنفعة التي ما أبقت للقيم من مكان يجانب إنسانية الإنسان. 

وختم: ويبدو أنَّ الشاعر يرفض ما يشيع اليوم بعد رؤيته الكشفية بوصفه أكثر إشراقاً بحدسه، استناداً إلى الوظيفة الجوهرية في قدرته على رفع الأقنعة وفضحه المستور بالخيال المنخرط في دائرتي المكان واللامكان؛ لتجسيد فعل التوقع وما يضمره الواقع من استبطان للفعل الذي صار يشيع بأقنعة يمكن أن يسلط الضوء عليها كموضوعات فبات الشعر ينتقد ظواهر المجتمع حتى صار في كثير من الأحيان يميل إلى التفلسف فيها وتقديمها كموضوع معرفي بوصف الشاعر هو إحساس الإنسانية، إذ لا إنسانية بغير إحساس لذلك فإنَّ الشعر ما يزال وسيلة نقد وإرشاد وتوجيه.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى