“مس من يباب” قصص عن مضار التقنيات الحديثة على المجتمع العراقي

المراقب العراقي/ المحرر الثقافي…
يرى الناقد يوسف عبود جويعد، إن القاص مهدي علي ازبين في مجموعته القصصية “مس من يباب”، أهتم بالحياة العصرية، والتقنيات الحديثة، التي دخلت في مسار يومياتنا، ووظفها بشكل صحيح، ضمن متون النصوص، موضحا مضارها على المجتمع.
وقال جويعد في دراسة نقدية خصَّ بها “المراقب العراقي”: “في النصوص السردية (مسٌ من يَباب) للقاص مهدي علي ازبين، نجد المعالجات الفنية اختلفت تمامًا عما اعتدنا عليه من النصوص، التي يغلب عليها الطابع التقليدي، الذي غدا حالة مكررة تثير الملل داخل وعي المتلقي، كونها تراكيب جاهزة ولا تتطلب وعيًا كبيرًا، أو جهدًا دقيقًا، إلا أن في تلك النصوص خروجًا واضحًا عن هذا التقليد بحثًا عن زاوية نظر مبتكرة، وتوظيفًا إلى لغة سردية سمت وعلت عن اللغة الاعتيادية، باعتمادها على الانزياحية التعبيرية التي تصل في رؤية جديدة تُفضي إلى معان أكثر عمقًا وتأثيرًا، وتأتي بنية العنونة لتلك النصوص تحمل مفردة انزياحية عميقة الدلالة والمعنى، وأحيانًا بكلمتين، لتساهم في صهر حواس المتلقي وتوحده مع الثيمة ووحدة الموضوع اللتين وظفهما ضمن سياق النص”.
وأضاف: أن “القاص يتبع في تدوين أحداث هذه النصوص أسلوب استنطاقها أمام المتلقي وجعله حالة متممة في عملية المبنى السردي، حيث جعل منها دعوة حرة لانغماس الآخر في أتونها، مخاطبًا إياه بودية حميمية صادقة نابعة من حاجته إليه، لمشاركته هذه الرحلة السردية، فيكون النص لغة تخاطب من صديق لصديق، وكذلك جعلها (أي النصوص) حالة آنية تدور أحداثها أمامه وكأنها حدثت توًا، من خلال رصد حركة الشخوص، ونقلها بتفاصيلها الدقيقة”.
وتابع: أن “هذا المبدأ الذي تقوم عليه الواقعية الجمالية، يقيم علاقة بين الفن والحياة بدقة وعمق لا مثيل لهما. فهذه الواقعية ترتكز على فكرة تقول، إن الواقع أو العالم يتوفر على بنية جميلة مثل بنية قصيدة أو لوحة تشكيلية جميلة، وهي تعتقد بأن موقف المرء من العالم يحكم الكيفية التي يرى فيها الأشياء”.
وأشار الى إن القاص مهدي علي ازبين، وجد أن إضفاء الجمالية في النص تحقق له مبتغاه في تقديم نصوص حداثوية تبتعد عن التقليد، وتقترب إلى الجرأة في الطرح باستخدام هذا النسيج الملون، وتوظيفه داخل متن النص الذي جعله مفتوحًا على كل الأجناس الأدبية، التي تتيح له انطلاقة ذكية من أجل ترسيخ هذا النمط الذي هو خطوة موفقة نحو تغيير فن صناعة القصة القصيرة والقصيرة جدًا، وبرغم كل هذه المعالجات الفنية، والتوظيف الموفق والمتشابك، فإن القاص ظل ملتزمًا بهوية كل نمط أدبي مستخدم, محافظًا على أدواته السردية التي تمنحها صفتها وميزتها وشكلها ومضمونها, وهذا يؤكد الحقيقة التي يعرفها الناقد, بأن التجديد يكمن في متن النص, وليس بالتلاعب والتغيير وحذف الأدوات السردية التي يجب أن تتوفر في كل جنس أدبي, الرواية, القصة القصيرة, القصيرة جدًا، الشعر.
وواصل: في النص الثاني، يروي لنا القاص تفاصيل نشر النص الأول ومتابعته حتى نشر في الصحيفة، وهي تداخل موفق يعكس متى انتباه المتلقي لتلك النصوص، وارتباطها ببعضها، ونتابع في النص القصير (انفلاتات بريئة) حالة مهمة تخصّ الاهتمام بالطفل، ومراعاة المساواة في التربية وعدم التفرقة، إذ إن الأم تذهب بطفلها الرضيع، إلا أن طفلها والذي أسماه القاص (ج) يود مرافقتها، إلا أنها ترفض أن يرافقها، وعليه أن يبقى في بيت جده، ولشدة اشتياقه مرافقة أمه فإن هذا الرفض أحدث شرخًا مؤلمًا في نفسية الطفل، مما حدا به عدم الذهاب إلى بيت جده وعليه أن يهيم في بقاع الأرض هاربًا، وتدور أحداثه بلغة جمالية مبهرة، وبوصف هادئ وبانسيابية سردية منسجمة ومتطلبات السياق الفني لهذا النص.
وأوضح: أن القاص اهتم بالحياة العصرية، والتقنيات الحديثة, التي دخلت في مسار يومياتنا, صفحات التواصل الاجتماعي, والانترنت, ووظفها بشكل صحيح ضمن متون النصوص, لتكون ضمن الأحداث العصرية التي نعيشها, والتي أصبحت التقنيات الحديثة جزءًا مهمًا من حياتنا, وقاسمتنا الحياة.
وختم: ان “مسٌ من يباب” رؤية متجددة وحديثة لكتابة النص السردي المفتوح, والذي يتيح من خلاله توظيف المفردة الشعرية والسردية والحسية والفلسفية, كما أنه وظف الانزياحية بشكل موفق من أجل شد المتلقي وتغيير رؤيته لواقع النص السردي, وقد قدم لنا ثيمات مختلفة ومتنوعة, إلا أنها بطريقة النص المفتوح المتزن الملتزم بأدوات السرد والمتجدد في مضمون الأحداث, أنها خطوة جديدة لقاص اتخذ التجديد مسارًا في مسيرته الأدبية الحافلة بالإصدارات المتجددة.



