«لوحة تسبيحات».. ظاهرة حروفية روحانية

المراقب العراقي/ متابعة…
تشكل اللوحة الحروفية «تسبيحات» للحروفي المغربي محمد أمزيل ذائقة بصرية وحسية، فهي آخر أعماله التي شكلت بمفردها ظاهرة حروفية روحانية، تجسدت في بؤرة تشكيلية على خلفية واقعية تمتد بين البحر والسماء، لتلقي بشعاعها على علو وشموخ في غاية إبداعية من الفن الذي يؤلف بين الواقعية والحروفية بصيغة جمالية تعكس الاحترافية العالية للمبدع، الذي شكل من خلال هذا العمل مجموعة من التفاعليات الفنية والعلاقات الجدلية، والأساليب التحولية بمقومات فنية وثقافية تنبني على أبعاد قيمية، وعلى أسس جمالية لها دلالتها في النسيج الفني المعاصر، إذ صاغها بتقنيات هائلة في مزج الألوان، وتسريب الضوء وشحن المفردات الفنية بالدهشة، ووضعها بشكل رصين ومنظم، لتتخذ بعد ذلك من التعبير اللوني والفضاء الواقعي، والشكل الحروفي مادة أيقونية للتعبير عن الثقافة الحروفية القائمة على أس واقعي وماتحة من وحدة الشكل والتنويع، وتوزيع المساحة وبسط السيادة، وتكثيف العمق الفراغي والنسب والتوازن للبرهنة على القوة الفنية، والقدرة على تأسيس بلاغة حروفية جديدة بأسّها الواقعي وبعدها الإيحائي البعيد عن كل التمثلات الخارجية، بإلهام فني ساحر، ورؤى جمالية عميقة الدلالات، وبعلامات وأشكال تبدو في مجملها واقعية وهي ممزوجة بنخب من المواد التي تحمل مغازي وإيحاءات وإشارات رمزية، تقود إلى معانٍ كثيرة، ترتبط أساسا بالمجال الروحي، وبفلسفة الفنان محمد أمزيل الخاصة، في بُعدها الصريح المتجانس مع مختلف مقومات التشكيل المعاصر.
فهو يتقصد المجال التعبيري على نحو من الواقعية بمقومات روحية ومعان دلالية. وهذا يتشكل أساسا من رصيده الثقافي والمعرفي والروحي، الذي يشكل رصيدا قويا وأرضية خصبة في تدبير إبداعاته الحروفية، فالواقعية ومواد الطبيعة المتداخلة مع المادة الحروفية تؤشر إلى أسلوبه الفني المتفرد، ما يعكس بشكل جلي رسالته الفنية المؤثرة في العملية الإبداعية بنوع من الرقي والسمو التشكيلي، بقدر ما تمتاز به هذه اللوحة من مقومات تشكيلية وتعبيرية ذات نسق دلالي مخترق لكل المفاهيم، تتحقق فيها القيم الخطية والشكل الواقعي، من خلال كيفية وضع الخط الديواني الجلي والمفردات الواقعية التي تؤدي إلى جانب وظيفتها في البناء التشكيلي دورا حروفيا أكثر جمالية، يرتبط بوضع كل العناصر على مدرج التموضع الحروفي في علاقة جدلية بما يجاوره من عناصر فنية تحقق القيم التشكيلية الكاملة .



