اراء

الدافعية للقتال في ظلِّ حكومة المتطرّفين الإسرائيلية

 

بقلم/ أيمن الرفاتي.. 

مع تطوّر المقاومة الفلسطينيّة، وقبلها المقاومة اللبنانية، وخوضهما معارك ضارية مع “جيش” الاحتلال، بات تراجع الدافعية للقتال لدى جنود العدو الإسرائيلي من أكثر المشاكل التي تؤرّق قيادة “الجيش”، ومن خلفها القيادة السياسية، إلا أنّ حكومة يمينيّة متطرفة يتحكّم في قراراتها المصيرية اليمينيون الذين لم يخدموا في “الجيش” ستمثّل معضلة إضافية تزيد تراجع الدافعية للقتال، وسط تحذيرات مسبقة من قيادة “الجيش” التي فشلت طيلة السنوات الماضية في إيجاد حلول لهذه الأزمة، على الرغم من الخطط التقنية والتكنولوجية.

وقد أدّى تطور المقاومة بنحو تراكمي ووقوفها في وجه العمليات العسكرية لـ”جيش” الاحتلال وخوض مقاتليها مواجهات مباشرة مع جنود العدو، بدءاً من “حرب تموز” عام 2006، وصولاً إلى معركة “العصف المأكول” مع قطاع غزة عام 2014، إلى خشية الجندي الإسرائيلي من هذه المواجهة وهربه منها، لأنّه بات يدرك أنّ المقاوم الذي يواجهه متمرّس ومدرّب، ولا يخشى القتال أو الموت.

وقد عكست المؤشرات الأخيرة التي كشف عنها باحثون في معهد أبحاث الأمن القومي الإسرائيلي تراجعاً كبيراً في الدافعية للتجنيد في “جيش” الاحتلال، إذ بلغت أقل من 50% خلال العام الحالي مقارنة بعام 1990، حين وصلت إلى أكثر من 74%، وفي عام 2020، حين بلغت قرابة 64%. يعود هذا الأمر إلى زيادة نسبة المتدينين الذين يرفضون التجنيد في “جيش” الاحتلال، إضافة إلى تهرّب أعداد كبيرة من عملية التجنيد عبر اختلاق أعذار مختلفة.

ويتركّز التجنيد في صفوف “الجيش” بين الطبقات الفقيرة والمستوطنات الهامشية في “دولة” الاحتلال، وحتى في الطبقات والمستوطنات التي تكون نسب التجنيد فيها مرتفعة، فالمعلومات التي ساقها باحثو معهد أبحاث الأمن القومي تكشف وجود تراجع في الدافعية للخدمة بشكل عام، وفي الخدمة القتالية والتوقيع على الخدمة الدائمة بشكل خاص

وبعد سنوات من التراجع المستمرّ، أوصل هذا الاتجاه “جيش” الاحتلال عام 2007 إلى إخفاء المعلومات كجزء من علاج المشكلة، إلا أنّ هذا الأمر لم يحمل علاجاً لما يوصف بأنّه تراجع واضح في مجتمع الاحتلال.

تعود أسباب تراجع الدافعية للقتال لدى “جيش” الاحتلال إلى أسباب عدّة، أبرزها التغيّرات الجوهرية التي حدثت في مجتمع الاحتلال، إذ ارتفعت نسبة المستوطنين الذين يتمتعون بحياة مترفة ووضع اقتصادي مريح، مع فناء الأجيال الأولى التي أنشأت “دولة” وخاضت معارك عديدة مقابل ظهور طبقات تبحث حالياً عن الترف، ولا تريد الوقوع في المقدمة.

وظهر أنّ جزءاً منهم يحاول تغيير طبيعة تجنيده الإلزامي ليكون في الوحدات التكنولوجية بعيداً من الألوية القتالية، إضافةً إلى انتقادات واضحة وجهتها الطبقات التي كانت تقود “الجيش” إلى المجتمع الحريدي والمتدينين الذين لا يخدمون في “الجيش”، وبات الانتقاد علنياً من فئات عدة بأنّه “ليس مطلوباً التضحية لأجل هؤلاء الذين لا يخدمون الدولة”. وقد يكون مؤشر دخول المتدينين إلى الحكومة بشكل موسع عاملاً آخر في دفع طبقات جديدة إلى رفض الاندفاع نحو القتال.

لقد تراجعت دافعية الجنود في “جيش” الاحتلال للقتال كنتيجة طبيعية لتراجع الاهتمام بالذراع البرية، بسبب تجنّب استخدامها في المعارك الأخيرة، ما أدّى إلى الإحساس بعدم الأهمية بين جنود الخدمة الإلزامية أو الاحتياطية، وقوّض ثقة القوات بنفسها واستعدادها للقتال، إضافةً إلى التركيز على القوات الجوية والاستخباراتية والخاصة، وهو ما أسهم أيضاً في تقليل أهمية القوات البرية الرئيسية.

من ناحية أخرى، فإنّ هناك تأثيراً واضحاً لتنامي قدرات مقاتلي المقاومة الفلسطينية واللبنانية في جنود الاحتلال الذين تابعوا ما حدث في “بنت جبيل” جنوب لبنان، وفي “حي الشجاعية” في قطاع غزة، وباتوا يدركون أنّ الوجود في الوحدات القتالية التي تستخدم في المعارك البرية سيكون ثمنه باهظاً ما بين قتيل أو جريح أو أسير، فيما ما زالت مشكلة الجنود الأسرى لدى المقاومة الفلسطينية عاملاً نازفاً في الدافعية للتجنيد، إذ إنّ جندي الاحتلال لم يعد يثق بقدرة قيادته على إعادته من ساحة المعركة، مهما كلّف الثمن.

وقد كانت معركة الشجاعية عام 2014 آخر معركة برية لـ”جيش” الاحتلال، ولا يزال تأثيرها في جنود الاحتلال متواصلاً حتى يومنا هذا، وباتت رادعاً للكثير من الشبان عن التجنيد في الألوية القتالية، وما زالت ذكرياتها محفورة بشكل مخيف في مخيّلة جنود الاحتلال بشكل خاص، والمجتمع الصهيوني عموماً.

جيش الاحتلال”، وتحديداً رئيس هيأة الأركان الأسبق غادي أيزنكوت، أدرك خطورة هذه المعضلة، ووضَع خططاً متعددة لمجابهتها ترتكز على مبادئ عدم الاحتكاك المباشر مع جنود المقاومة في المعركة، عبر الاعتماد على التكنولوجيا الحديثة وتطوير المعدات العسكرية، بحيث تكون أكثر أمناً للجنود، إضافةً إلى زيادة اعتماد الوحدات القتالية على الروبوتات والطائرات المسيّرة، إلا أنّ كلّ ما سبق لم يمثّل حلاً، ولم يرفع نسب الدافعية للقتال.

من ناحية ثانية، ظهر جلياً تراجع الدافعية للقتال لدى “جيش” الاحتلال خلال معركة “سيف القدس” عام 2021، إذ لم يجرؤ على الدفع بقواته البرية تجاه حدود قطاع غزة لخداع المقاومة، وهو ما أفشل خطته العسكرية التي أطلق عليها “خطة برق“.

والحصيلة، أنّ الحكومة اليمينية المقبلة تأتي لتزيد الطين بِلّة لدى قيادة “جيش” الاحتلال، وتزيد التحديات التي تواجهها، وتعزّز عوامل تراجع الدافعية للقتال والرغبة في التجنيد في الوحدات القتالية، إضافةً إلى تولّد شعور لدى قيادة “الجيش” بأنّ المستوى السياسي لا يقدّر طبيعة التحديات التي تواجه “الجيش” داخلياً وميدانياً خلال المعارك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى