«حي في العماء».. التواجد وحيداً بجزيرة مهجورة

المراقب العراقي/ متابعة…
تطالعنا من أول العمل متوالياتٌ حكائيةٌ ذات طبيعة عجائبية، من خلالها يُخيل السارد بضمير الغائب وجود شخص يُدْعى حي (وهو تحريف كنائي للقب المؤلف يحياوي، وربما حاجته إلى الانفصال عن ذاته وإيهام القارئ بشخص آخر خيالي) منقطعاً عن الواقعي في جزيرة متخيلة؛ إذ التبس بوضعية مفارقة وغريبة، وأصبح ينتج تجربة بديلة تستمد مادتها السردية من مجموع الاستيهامات التي يتلفظها/ يتماهى معها في علاقته بالطبيعة التي حوله، وبالتالي يبني فضاءً تخييلياً تتدفق علاماته وملفوظاته النصية، التي تتسم بالانحراف والتشظي واللاتحديد.
ترتكز «حبكة» القصة على وجود حي وتحول أقنعته بوصفه ذاتاً مُتخيلة ومتحررة من الالتزامات المشروطة (الواقعية، الصدق، الثبات..) لكنها مع ذلك تحترم الانسجام المنطقي الخاص بها، فيما هي تُشيّد شكل حضورها في العالم الطبيعي تستدعيه وتعيش فيه. فالأحداث تجري في جزيرة تحفل بكل أسباب الخضرة والجمال والتنوع البيئي، ونائية ومطلسمة ولا يوجد فيها من البشر سوى حي، كأنه منذور لمهمة فيها، وإن كانت هذه الجزيرة «مسكونة» من قبل بدليل وجود كهف تغشى سقوفه رسومٌ ونقوشٌ ملونة، بل أطلال بيوت لسُكانٍ مروا منها، وبيوت مغبرة دُفنت تحتها أوانٍ من الفخار مكسورة؛ هل هي للإنس، أم للجن والغيلان؟ قبل أن يكتشف في عرض الجبل مجموعة من الجماجم البشرية.
يقضي حي أغلب وقته مع حصان خرافي أبيض، يبادله الخطاب ويجادله فيه، ويُسهل عليه قطع المسافات الطوال في الجزيرة، وأحيانا مع كلب أسود، ضارٍ وضخم، ومثير للشك والريبة والخوف يدعوه (شمروخ)؛ ولكل منهما كنايته التي يرمز إليها، بين الكهف وبيته الذي أقامه من جذوع وألواح الشجر، أو بين فضاء علوي تمثله الجزيرة بأدغالها وجبالها وصحاريها، وفضاء سفلي تمثله مدينة متخيلة في أعماق البحر، وهو يظهر متأملا، قلقا، شاردا، مُقلبا للأسئلة الأنطولوجية، وباحثا عن معرفتها باستدلالاته الشخصية، وشديد المخالطة للحيوانات حتى تَعرّف على لغة بعضها وعلى عاداتها وسلوكها. وقد ظل ما وراء الجبل المضبب منطقة غامضة بالنسبة له، ومثار أسئلة دائمة شغلته عن نفسه بالتفكير: «أنت تستعين بنا نحن الحيوان لترى نفسك من خلالنا؟ قال الكلب بسخرية».



