اخر الأخبارثقافية

أعمال التشكيلي وليد رشيد.. تمجيد العقل بعيدا عن مرجعيات العاطفة

 

المراقب العراقي/ المحرر الثقافي…

 يرى الناقد خضير الزيدي أن أعمال التشكيلي وليد رشيد تحمل في طياتها تمجيد العقل بعيدا عن مرجعيات العاطفة، مبينا أن خياله الجمالي يهبنا تطبيقا مغايرا في معرفة وفهم الفن.

وقال الزيدي في قراءة نقدية خص بها ” المراقب العراقي “: إن أعمال معرض الفنان وليد رشيد المقام في غاليري دار المشرق في عمان الذي بدأ في الثامن من تشرين الثاني الحالي، تنتظم بعيدا عن مرجعيات العاطفة ويرجّح في الغالب منها أنها تنتهي إلى تمجيد العقل، ليس لغرابة الأشكال وخلخلة نسقها البنائي، إنما لأنها تترك مساحة للخيال في تأويل مقصدها الدلالي ويتقابل في موضوعها (تحيز) من إلهام المتلقي يحدث كل ذلك وسط رؤية تبعث على المتخيل الفردي وتحريك طاقة العقل في هدم وبناء وإعادة الأشكال التي يعمل عليها (كالخزفيات، التخطيطات، الرسوم) لينتهي خطابه في حدود أشياء مهشمة، يتفاقم في مستوياتها المغايرة طابع من الإحساس والاغتراب، فتبدو لدى المتلقي بمثابة تراكيب تمثل مدخلا لقراءة ما يجول في عقلية ومشروع هذا الفنان المختلف وهو يتعامل مع مادة الطين والعجائن والتخطيطات، فما الذي يضبط إيقاع نزعته الشكلية وما المختلف في مساحة التجريب الفني في هذا المعرض؟.

 وأضاف :يشير بيار غيرو في كتابه «علم الدلالة» إلى موضوع التحفيز الداخلي والتحفيز الخارجي، وينبهنا إلى أن تبدلات المعنى تشكل تحفيزا داخليا، لكن ما يحفز المعنى هو التماثل بين شيئين متصورين في الواقع، أو خارجا عن الكلام ينطبق مثل هذا التوصيف على منجز وليد رشيد الفني، الذي نراه في تكويناته وأيضا في اسم المعرض والموسوم بـ(اللاتعيّن) فهو في كل هذه الإحاطة والممارسة مع الخبرة، لا يبدو عفويا ولا مفسرا ولا عشوائيا، هناك وسط هذه الاشتغالات شروع بعمل ينتمي إلى التلقائية، التي تعرف أين وجهتها وكيف ينتهي إيحاء رؤيتها، فلا نكاد نجد عملا يتطابق مع التصور الذهني في خيالنا، إنما أشكال موزعة ضمن خريطة عمل مسبقة تنهض على فعل التدمير والتفكيك وكأنه في أعماله الفنية يذكرنا بطروحات المنهج التفكيكي، مع أن خياله الجمالي يهبنا تطبيقا مغايرا في معرفة وفهم الفن، في هذه المرحلة ،إنه ينتقي أشكاله من خلال خروجها عن السائد، سواء ما يتعلق بذائقة المتلقي أو خياله وهو يتأمل العمل، بمعنى أنه يطرح أفكارا مختلفة في الفن من أجل إعادة قراءة العمل وغايته وهدفه الجمالي، ليفرض شعورا خاصا لمن يشاهد معرضه.

وأوضح : أن مصدر هذه الفكرة طبعا يكمن في عقلية وتفكير وليد وحساسيته مع عالم الفن، فمن يتابع تكويناته يجدها أقرب للتجريدية البحتة، تجريدية من نوع لا تُخفي الحركة ولا دافع انتمائها للإحساس بوطأة التغيير فيما يتعلق بندائها الداخلي وهي تخاطب ذائقتنا.

واشار الى ان المختلف في مسألة التجريب عند هذا الفنان حرصه الشديد على رفض أي عمل ينشئه دون تمرد على قواعده، كأن أعماله لا تمت بصلة إلى وجدانه ولا تتحرك إلا بملاحظات ودراسة معرفية مسبقة بما ستتركه من تحول في عين المتلقي وفي شعوره بالجديد من فن (الخزف والطين والتخطيطات والرسوم) هذه جميعها تنطلق من نقطة شروع واحدة ومن محاولات متعددة ترتكز على بعد ثقافي ومهارة أسلوبية مع تميز خاص بالمرونة وكثرة الخبرة، وكل هذه المحفزات ستقود لقواعد ضرورية يتأسس عليها فعل الإبداع في بناء ملامح فن جديد مقبل من بين يدي خزاف عراقي يحب تغير الأشكال، ويسعى للانتقال بتكويناته إلى الغرائبية، حتى لو على حساب طريقة دلالة الفن ومهابة نزعته الوجدانية، فهو يؤيد مقولة مايكل أنجلو (الفنان يصور بعقله لا بيده) لكن يبقى التساؤل مطروحا ما الغاية من فن ملتبس وغريب تختلط في صياغاته نزعة تجريدية ورؤية غرائبية؟.

وبين : أن تصنيفات هذا الفن تبدو أقرب للتوجه الثقافي الذي يواكب حركة الزمن، فهو فن يحرك العقل ويقصي الوجدان يغيب شعورا بالانتماء للعاطفة الساذجة لينتهي به المسير نحو مرجعيات شرقية قديمة قد تؤول إلى فكرة الانبعاث والتلاشي والتقديس، كل هذه المتناقضات توجد في أعمال فنية مركبة تستعير تنويعاتها الشكلية من مبدأ التعقيد البنائي أولا، ومن تركات قوامها الجمالي ثانيا، وهكذا نجد هذا التلاعب قائما أمامنا كلما أمعنا النظر طويلا فيما يعمل عليه فنيا.

وختم :إنه من المؤكد القول إنه يركز في معرضه هذا على الاستكشاف، ويتعلق بأي إضاءة منه وقبل أن يشرع بإنجاز تكويناته (الخزفية أو رسوماته) يذهب إلى رغبته في التأثير بالهامش من تلك الرسالة، التي تتبناها فكرة العمل فلم يكن مع مركز (التصور النهائي الذي تنغلق فيه تفاصيل العمل المنجز) إنما سيعيد ما يتراءى له من أشكال غرائبية أو طوطمية، أو صور تجريدية ليبتكر قيمة أخرى من فعل مركزية التكوين الفني المعد، وسيعيد للمتلقي ثانية أهمية الهامش بشكل مكتمل نستنتج أنه شعور خارج عن وعيه الانفعالي، والسبب يعود حسب رؤية بيير جيرو في كتابه «علم الإشارة» من أن هناك (فنونا أخرى لمعرفة الغيب تتصف بالقسرية، والسبب لأن الشيفرة فيها تكون بناء تجريديا، والإشارات تكون تركيبات منطقية) وأعتقد أن قولا معرفيا كهذا، ينطبق تماما على ما ينتجه وليد رشيد القيسي من تصورات جمالية ومعرفية في عالم الفن.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى