اخر الأخبارثقافية

عبد الجبار البنّاء.. نحات الابتكار والتعبير الجمالي المتصل بحياة الناس

 

المراقب العراقي / المحرر الثقافي…

يرى الناقد جمال العتّابي أن اقتناع التشكيلي عبد الجبار البنّاء بأن الفن يتيح له مجالاً أوسع للابتكار والتعبير الجمالي المتصل بحياة الناس، المرتبط بآمالهم، وهكذا أعدّ نفسه منذ البداية لإنتاج الفن الذي يجد طريقه إلى الناس كنحات.

وقال العتابي في قراءة نقدية خص بها ” المراقب العراقي “: لم تكن تماثيل الخشب مجالا وحيدا لإبداع البنّاء النحتي، فحياة الفنان عبد الجبار البنّاء هي مثال الاستغراق والتفاني في العمل، والتفوق في مجالات الفن التشكيلي التي خاضها، إذ يذكر أنه طرق النحاس، وتعامل مع الحجر والمرمر والطين، الذي يمنح النحات طراوة واسعة في التمدد، لكنه لا يغادر عشقه لمادة الخشب، كخامة لينة، سهلة التشكيل وخفيفة الوزن، وهو مدرك لأسرار جمالها عبر لغتها البصرية، وما تضيفه تكويناتها من عُقد عشوائية وجذور ملتوية، طابعاً فريداً في التعبير.

واضاف : أن البناء تعددت مهاراته التي يمارسها تحت إلحاح فكرة محددة هي إنتاج أعمال فنية تنتمي إلى عصره، تلعب دورا بحياة الناس في قمة وجده بالإنسان، الوجد بالحياة يقود النحات عبر مصغراته النحتية إلى العالم الأرحب، لتصبح صوتاً إنسانياً واحداً، تصويراً لإيقاعاته ورصداً لحركته.

وتابع : أن المصادفة ليست هي التي جعلت من عبد الجبار البناء فناناً مبدعاً، وإنساناً وموقفاً، واختار أن يكون مرموقأ وفي المقدمة، فمنذ صباه كان يعبث بمواد البناء والصلصال، ويخلق منها مكعبات وأشكالاً وتكوينات لكائنات مختلفة، إذ كان والده (الأمي) الذي لا يقرأ ولا يكتب، يعدّ من أفضل مصممي خرائط البناء، ومن مهنة الوالد اكتسب الفنان لقبه الذي اشتهر به، وعندما يعود عبد الجبار بذاكرته إلى سنوات الدراسة في معهد الفنون الجميلة، فإنما يرجع إلى ثقته بمستواه الفني، واقتناعه بأن الفن يتيح له مجالاً أوسع للابتكار والتعبير الجمالي المتصل بحياة الناس، المرتبط بآمالهم، وهكذا أعدّ نفسه منذ البداية لإنتاج الفن الذي يجد طريقه إلى الناس كنحات، مفضلاً إياه على الفنون الأخرى.

واشار الى ان البناء تتلمذ على يد أستاذه جواد سليم منذ دخوله معهد الفنون الجميلة عام 1954، وتخرجه فيه عام 1960، والتلمذة صارت زمالة وصداقة متينة مع الفنان الخالد جواد، الذي طالما يعدد مواهبه فناناً وإنسانا، إلا أنه حينما يتحدث عن تأثير الفنانين العراقيين فيه، فهو يشير إلى تأثره بأعمال خالد الرحال، يقول عن جواد إنه وضع الأسس الأولى في حياته، طوّر إمكاناته، وأضاف له من خبراته في رفع قدراته على الأداء.

وأوضح :في لقاء مع البناء يصف أعماله، أنها ضد الخنوع والاستسلام، حتى تلك اللوحات التي تشترك بأرضيتها القاتمة يودع فيها حمامات الأمل التي يُخبِئُها بين حنايا الضلوع، ليطلعها متى اتشحت لوحته بالظلمة، منحوتاته من الخشب وثائق ويوميات وخواطر طرية، تذوب على سطوحها لمسات العاطفة وعذريتها. لم يكن الفن بمعناه العام في تقديره منفصلاً عن الواقع الاجتماعي ـ السياسي – الاقتصادي، وبناءً على ذلك شكّل هذا الفهم قاعدة أساسية في جميع منطلقات البنّاء الفنية والاجتماعية.

وبين : أنه على الأغلب تبدو أعمال البنّاء قائمة، منتصبة، من ثنائيات تتجاذب وتتآلف وتتعانق، عاشقة، تدفعها العاطفة إلى الاتحاد بعضها ببعض، ولا شك في أن هناك تباينات بشدة التعانق، واختلاف الحركة، ذلك أن الفنان لا يكتفي بالإحساس بالجمال، بل في التعبير عما يخالجه من مشاعر، وما يعتمل في ذهنه من تصورات ورؤى. لديه ما يمكن أن نطلق عليه اسم (الاختزان الفني) هو كالمولدة التي تحتفظ بالكهرباء، أو قل كنحلة عسل تمتص رحيق الأزهار، ثم تخرجه بتركيب جديد مستحدث.

ولفت الى ان موضوع الإنسان في الفن منذ حفر رسومه العجيبة على جدران الكهوف قبل عشرة آلاف سنة، حتى عصر اللاشكل والتجريد، هذا الدور لم يكن بسيطاً، لأنه كما يقول فنان الرمزية الفرنسي موروا، إنه يضيف إلى العالم الواقعي ما لا يستطيع أن يقدمه هذا العالم.

وواصل: وهكذا بدأت رحلة عبد الجبار الفنية ولم تتوقف إلا بوفاته في أكتوبر/تشرين الأول عام 2016، وهو يبحث في جوهر الإنسان، يستنطق أعماقه الراقدة في جوهر الوجود، غير مهتم بالفكر التجريبي الذي هو صميم التجربة الفنية التي تجسّد الأفكار وتبلور الأحاسيس حتى الخيالي منها. وفي ضوء هذه الحقيقة، انصرف البناء إلى الالتزام بقضايا شعبه الوطنية، وكي يكون الفنان صاحب قضية وطنية يقتضي أن يعكف على استلهام المفردات والرموز في موروثه وحضارته في أعماله الفنية، وهو ما دأب عليه عبد الجبار، وإذا أمعنا النظر في أسلوبه، رغم انفتاحه على تيارات الفن الحديث في العالم، نجده قد اعتمد بديله الخاص في خبراته الفردية المتنوعة، وما تزخر به من ثقافات ورؤى فنية متجددة، تؤهلنا للقول: إنه امتلك هويته الخاصة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى