اخر الأخبارثقافية

أضغاث حقيقة

عبد الكريم المصطفاوي..
كان ذاهبًا لدار السرد لينشر مسروداته الأخيرة ، طوى شارع الثقافة مستمتعاً بالأجواء الخريفية التي أضفت على أكشاك بيع الكتب جمالًا وألقاً . توقف عند نقطة عناق المتنبي بضفة النهر ، تزود بالطاقة وامتلأ حيوية بالنظر إلى دجلة الخالد. إلتقط لنفسه صورة واثنتين وثلاثة ، ثم عاد أدراجه في ذات الدرب ، تجاوز قيصرية “حنش” وولج في الزقاق الفرعي الضيق المؤدي لدار النشر ، كان الزقاق مغسولا وبدا بلاطه ذلك النهار نظيفًا وخالٍ من مخلفات الورق والكارتون ، إقترب من الدار وكان قاب قوسين أو أدنى منها لولا أن بصره خُطَفُ برؤية ملاك ساحر ، لا يُرى مثله إلا في قصص الحب ورواياته وعلى أظهر قصائد الشعراء. رجّت الصدمة كيانه، فأطبق عيناه ليسترد انفاسه التي حبستها تلك الصدمة!!
يا إلهي ماذا أرى ؛ أعينان خضراوان أم زرقاوان ، أزمرد أم ياقوت !، أوجه كالقمر أم القمر حط ها هنا ، والشَعْرُ ؟؟ شَعرها! حمدًا للخالق أنها لم تسرحه وتطلق العنان له ؟ فلو فعلت لنثرت الليل على أكتافي حين بيّ مرت ! قميص أبيض يتماهى مع بياض الوجه ، مفتوح زراراه العلويان كاشفين عن وادي ٍ يحتضن جبلين لولا أن نصفه أُخفيّ بالخصلة المنسدلة عليه، وبنطلون جينز ازرق يتوارى خلفه ساقان رخاميان يمنحانه قيمةً وجمالًا. لم تكن من بني البشر، بل هيبةً تجسدت بجسد آدمي يمشي على الأرض.انبسطت اساريره وشع من عينيه بريق أمل غاب عنه دهرًا ، وكشف ثغره عن إبتسامة اعادته لعمر الشباب ! بعد الاستفاقة توقف، لم يواصل سيره باتجاه الدار ، بالرغم من إنه أصبح على مرمى حجر منه . قرر العودة ، ليلحق بذلك الملاك ، وبلا وعيٍ مأخوذ بنشوة غريبة خطط لأن يكلمها، فليخترع سؤالا ما ! فقط ليجعله مبررًا ليتحدث معها، وفكر ان يصوغ السؤال الثاني كالآتي ؛هل أنت إنس أم جن؟هل أتيتِ من قصور ألف ليلة وليلة أم من أسوار قصور مونبليزير وكاثرين أو قلعة فورونتسوف ؟ لحق بها واقترب منها، قبيل الوصول الى مخرج المتنبي بمترات قليلة التفتت إلى الوراء واستدارت نحو النهر ثانية . أُطبق على فمه وأخرس! فلم يستطع أن يكلمها ، غير إنه استدار عائدًا كذلك ، قفزت الى ذهنه فكرة أن يكتب قصة قصيرة عنها !! يذكر فيها إنه التقى بملاك سماوي فسأله: أمن أهل الأرض أنت أم من سكان السماء؟ ويشير فيها كيف تهللت اسارير ذلك الملاك وفتح له ذراعيه وقبله في وجنتيه ! ولكي يضفي صدقًا على قصته اتخذ قراراً بملاحقتها ليمعن النظر إلى وجهها وجيدها وما دونهما حتى لايخطئ في الوصف ، في تلك اللحظة استوقفه رؤية كشك بائع الشاي ، طلب قدحًا بدون سكر ، أعاده الشاي المر الى نقطة الوعي ،انتشى ثانيةً بإرتشاف كامل القدح، قال لنفسه إثقلي .. إثقلي!

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى