اخر الأخبارثقافية

“أن تذوب عشقاً”.. المواءمة بين الواقعة الحقيقية ونظيرتها الأدبية

 

المراقب العراقي/ المحرر الثقافي…

يرى الناقد قاسم المشكور، ان الروائي عادل العكيلي في روايته “أن تذوب عشقا” َلم يتوقف أو يكتفِ بسرد الحاضر المتسارع في غالب الأحيان، وإنما لجأ إلى تقنيات الفلاش باك والمواءمة بين الواقعة الحقيقية ونظيرتها الأدبية.

وقال المشكور في قراءة نقدية خصَّ بها “المراقب العراقي”: “أن الروائي إذ يضطلع بمهمة الكتابة فأن واجبه الأول هو إعادة تشكيل الواقع، فمهمة خلقه لهذا الواقع الجديد، تمر عبر بوابة خياله الخصب، الذي يقوم بفعل المواءمة بين الواقعة الحقيقية، وبين الواقعة الأدبية، فتحويل الواقعة الحياتية إلى واقعة أدبية تمر بفرن يقوم بصهر الحوادث لجعلها تتلاءم مع رؤية الكاتب التي يود تقديمها بشكلها الأدبي الجديد”.

وأضاف: في روايته (أن تذوب عشقاَ) نلحظ هذا الجهد بشكل واضح لدى الروائي عادل العكيلي، فقد أطلق العنان لخياله الخصب، وقدّم لنا متوالية أدبية ممتعة نسجها لنا كلوحةَ درامية يتخللها الكثير من الأسى.

وتابع: في ظني أنّ الروائي عادل لا يرمي إلى استعراض مهاراته في عرض لغته الجميلة الآسرة التي امتلأت بها صفحات الرواية، بقدر ما كان يسعى إلى توليد الدهشة المتوالية، وربطها بذهن القارئ عبر عملية سردية مقبولة، وحوارات لا تخلو من الحرارة، والصدق بين البطل احمد الغائب قسراَ، واضطراراً لأربع سنوات، وبين زوجته التي تتهمه بالتخلّي عنها ولا أريد حرق الرواية عبر ذكر تفاصيلها، ولكنني أود التأكيد على انْ فكرة الرواية جميلة، وعنصر التشويق وإنْ كان ضعيفاَ إلاْ أنْ القارئ يشعر بوجود الحدث الذي يُعد الفاعل الأول في خلق، وتكوين التشويق على الرغم من البطء الذي رافقه.

وأشار الى أن الرواية تمتاز بالكثافة العالية، فضلاً عن جمالية الحوار الذي بدا فيه الروائي كما لو كان في سجن فاطلق سراحه ليجول بنا في وصفه، ومنولوجاته التي اسهب بهما أكثر مما تحتمل الرواية، على الرغم من جهده الواضح في شحن كلماته بالمعاني العالية التي تتطلب قدرة فائقة في تطويع الحرف، وسحبه إلى مناطق التأثير في القارئ، وهذا ما فعله الروائي عادل العكيلي.

وأوضح: هناك حركة واضحة في أفق الزمان، صحيح انها كانت حركة بطيئة، ولكن هذا البطء تمت معالجته في الفصل السابع صعوداً الى الفصل العاشر الذي اختتمت به أحداث الرواية، فالروائي لم يتوقف أو يكتفِ بسرد الحاضر المتسارع في غالب الأحيان، وإنما لجأ إلى تقنيات الفلاش باك، وأحيانا الميتا سرد بغية تحقيق المرونة في المعالجة الدرامية، فقد أدرك الكاتب بذكائه الفطري، أنّ الاستعانة بالحاضر لوحده لا يُحقق له القدرة على التحليق في خيال واسع، خصب، الأمر الذي سينعكس سلباً  على حركة الأحداث التي ربما يصيبها الانكماش بعد أن يكون الكاتب قد ساهم في تقييد حركة الأحداث عبر تخليه عن الزمن الماضي، فالعودة الى الماضي تمد الكاتب بالقدر على التنويع، والمرونة في الحركة.

وبيّن: إن الروائي العكيلي قد كافح من أجل إظهار المكان بطريقة تمنح السرد غنى، وثراءً، فالمكان بما يحويه من مجسدات للأشياء الثابتة، وبما ينطوي عليه من مضمرات دلالية يساهم في خلق حالة من التلاحم، والتظافر بين المكان من جهة، وبين الحدث من جهة أخرى، وقد أغنى الكاتب أمكنته بطريقة سردية جيدة، وتقنية وصفية ساهمت بشكل جلي في إظهار التماهي، والانسجام بين المادي، والنفسي، فقد تضامنت الأمكنة تضامناً مقبولاً مع إنشاء السرد، الأمر الذي قاد في النهاية الى جلب اللذة، والانتشاء للقارئ عبر إتباعه طريقة التماهي الإيقاعي بين المكان وبين الحدث.

وختم: على الرغم من أنّ رواية العكيلي تقوم على واقعة واحدة تمثلت بالهجر الذي مارسه احمد ضد منى مضطراً عبر غيابه الذي امتد لسنوات أربع، إلاّ أنّ ذلك لم يكن ليمنع الكاتب من أنْ يمنح نفسه القدرة على الحركة، والتغيير في الوقائع المتخيلة التي تمثل هروباً من لحظة الحتمية التي تجنبها بذكاء كبير، فقد أدرك أن الحتمية تضعف العمل السردي، ولا تمنحه لحظة الاستدارة التي يمارسه الكاتب مع شخوصه، وأحداثه، من هنا يمكن وصف الرواية بالجيدة، والكاتب فيه إصرار على تمثل حالة التجديد في الكتابة السردية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى