السياسة والأُميّة

بقلم/ ا. د جهاد كاظم العكيلي..
في منطق السياسة تجد الكثير من المفاهيم التي تصب في هذا النوع من العمل الذي يُلازم صاحبه صفات كثيرة كالذكاء، والقدرة على التحليل، وقراءة الواقع، والدراية، والكياسة، واللباقة، ومنه أيضا إجادة الحديث، والنطق، والمناورة، والصبر، والتبصر، والعزم والإرادة..
وفي واقع الحال أن كل سِمات العمل في منطق السياسة هذه لم تكن مُتلازمة لدى الكثير من السياسيين بل لم تقدح حتى في أذهانهم، وهم على هذا الوصف لم يكونوا مُلمين أصلاً بالمعرفة التي يُفترض أن تكون ناجمة عن دراسة وقراءة مُستفيضتين لبلوغ مرتبة عِلمية مُحددة، حتى تسمح لهم بالتأهل لكي يكونوا سياسيين بارعين.. ولم يُخطئ الدبلوماسي والكاتب نيكولو مكيافيلي حين حدد قبل قرون فنون السياسة ومبادئها وصفات العاملين بها على النحو الذي ذكرنا، ثم جاء من بعده عُلماء كِبار أمثال فرنسيس فوكويام وأوليفييه روا وأرنو تاوش، وجعلوا لها منهجاً وعِلماً يُدرس بِكبريات الأكاديميات في العالم، وتخرج منها رجال كُثر، قادوا بلدانهم بنجاح وحافظوا على كرامة شعوبهم وعرفوا كيف يوظفون السياسة بحكمة وكياسة وحُسن التصرف..
أما نحن العرب، فمنذ أن دخلت السياسة في نظام الوارثة ونظام تناسل الأحزاب، أخذ الهوان يأكل بجسد أنظمتهم وشعوبهم، وما نجم عنه من خيبة وخذلان سيظل يُلاحقهم تِباعاً من حُقبة إلى حُقبة أخرى، ويعود سبب ذلك إلى فقدان الخصائص المُهمة في منطق السياسة، خصوصا فقدان المعرفة العلمية الحقيقية التي استبدلت بالمعرفة المُلصقة كلقب يطوف بهم بين أورقة الحكومة أو العمل السياسي، وهم في الحقيقة ليسوا سوى “أُميين” بنظر فطاحلة السياسة بل حتى في نظر من يُتابع ويقرأ المشهد السياسي قراءة صحيحة..
وفي الحقيقة أن هذه الأمية بدت واضحة للعيان لِمن يُتابع ويقرأ ويسمع حينما يتناولون ويطرحون قضايا البلاد للنقاش، فإن كانت الأمية تُعرَّف بعدم القراءة والكتابة، فأن انعدام الصفات المذكورة هي من أصعب الأمور بالعمل السياسي، والأصعب من ذلك كُله عندما تجد البلاد أنها مُكتظة بهذا النوع من السياسيين في الدوائر التشريعية والتنفيذية وهم غير قادرين على قراءة مصلحة بلدهم قراءة صحيحة من خلال إيجاد السُبل الكفيلة للنهوض بالواقع الاجتماعي والاقتصادي والتنموي للبلاد..
وما يُحزننا حقا حين نجد ذلك التناسل السياسي يَلد لنا في البلاد دفعات تلو الدفعات من أمثال هؤلاء السياسيين على الصعيد الميداني والذين زجت بهم الأحزاب في غِمار عملية سياسية غير مُجدية، حتى صاروا أشبه بالقشور اللامعة في المظهر والمثقلة جيوبهم بالمال وهي الخالية أصلا من أيَّة معرفة وتجربة سياسية.. أو ليس هذه هي الأمية السياسية بعينها التي أطاحت بهم وأطاحت بمستقبل بلدانهم ؟.



