قصائد “للغرباء والمنفى”.. حبل عشق سري للعراق

المراقب العراقي / المحرر الثقافي …
يرى الناقد والروائي جواد الكاتب أن قصائد مجموعة “للغرباء والمنفى” للشاعرة ريم البياتي هي حبل عشق سري للعراق فهي تذكره وتصفه بدقة متناهية وكأنها عاشت في البصرة وتنفست عبق ذكريات “شناشيلها” التراثية.
وقال الكاتب في قراءة نقدية خص بها “المراقب العراقي “: صدر للشاعرة العربية السورية “ريم البياتي” مؤلفها الشعري الجديد (للغرباء والمنفى)، كما هو متوقع تُفاجِئُنا ريم البياتي بتعدد موضوعاتها الشعرية وألوان صياغتها اللغوية بأسلوب رصين ومتميز، إذ نرى عباراتها وألفاظها عن مدلولاتها معبرة بفصاحة عالية وفي الوقت نفسه نجدها يسيرة الفهم للمعنى حتى أننا نلمسه على مدى رحلتها الشعرية في هذا الكتاب، وأغلب مخطوطاتها جاء في حب الوطن والأرض والتغزل ببطولات الأبطال:
كانت تهدهد طفلها
وتخاف من أنياب غول
تلقي على أهدابه
تعويذة الزمن العجول:
(دللول يبني يا لولد دللول
عدوك عليل وساكن الجول).. مقطع من قصيدة “بدر العراق”
وأضاف :وعلى ذكر العراق نراها تصفه بدقة متناهية وكأنها عاشت في البصرة وتنفست عبق ذكريات “شناشيلها” التراثية وكأنها مربوطة بحبل عشق سري للعراق:
“يحيى”
شناشيل التنومة والخصيب
غلالة الدمع المعتق في خوابي الزينبيات
كحل النخيل
نبوءة الأمطار تتلوها البذار
لتخلع القيعان قمصان السبات
سرر التراب
تدثروا بجراحهم.. “القصيدة نفسها”
وتابع : أن ما يثير في الأمر دهشة وجمال أن الشاعرة لم تزر العراق قط ونراها تكثر في كتاباتها الشعرية عنه بأسلوب مشوق قد لا يلحق بركبها الابداعي شاعر آخر بهذه الدقة الوصفية اللهم إلاّ الكاتب حيدر حيدر فهو أيضاً سوري والأغرب أنه من نفس المنطقة أو الحارة التي تسكن بها الشاعرة المبدعة ريم البياتي، فقد وصف حيدر أهوار الجنوب بروايته التي أحدثت ضجة لا تُنسى في المحافل الثقافية وهي روايته المشهورة:” وليمة لأعشاب البحر” يتحدث فيها عن نضالات مجموعة من المناضلين العراقيين اليساريين واعتماده المكان التأريخي في المواجهة “الأهوار”.
وواصل :كذلك الشاعرة ريم التي انطلقت مشاعرها نحو العراق والبغددة والبصرة والأرض والنسيم، تنقش حروف قصائدها بعاطفة صادقة وتنقلها إلينا بفخر لأنها تتسم بثقة ما تكتب من ألفاظ قوية وعبارات محكمة البنيان تتوافق وأفكار قصائدها ذات المعنى العميق الذي يولد معنى ومعنى، ناهيك عن المونتاج الذهني بترابط الصور المكتوبة مع بعضها البعض حتى لو رأينا شفافية قصيدة متزينة بكحل الغزل مثل قصيدة “هدية”ص51:
ماذا سأهديك؟
قال العطر منتشياً،
وبعض نفسك غيم حفه المطر
أهديك بعضي
وهل بعضي بمنقطعٍ
إن أضرم الغيم ناراً،
وانبرى الوتر
وأشار إلى أن جميع القصائد التي وردت في الكتاب تحثنا بلطف للتحليل والتفصيل ولربما إلى توليد مدلولات أخرى، كما في قصيدة – لافتة ص71- :أيا ابن الموت،
ما للموت لا يأتي؟
فقد ضاق الهواء بنا،
ولم يبق سوى جدث
يعاف الدود سحنته
يعاف جلودنا العجفاء
ما للأرض تلفظنا؟
وحتى الحب غض بصيرة عنا،
كأن دماءنا قبر،
كأنا لم نكن يوماً،
فمن ذا علّم الحيتان أن دماءنا حِنة!
وأوضح: ثمة دلالات وظفتها البياتي لتعبر بها عن عمق الشعور إذ استخلصت رمزياتها واستعاراتها: “وعد فجر ومضى، الجبل الساكن، الموت، الشمس، مرايا الأمس، الليل حوذي يجر الخيل، فاتحة الهوى، غرب، شرق، بنات الحزن الصامت، (منصة الإهداء)، بهلول، .. والقائمة تطول، فإن دلّ على شيء إنما يدل قطعاً على أن النص الشعري حلاوته وقيمته تبرز في علاماته الرمزية والاستعارية، فالنكهة السردية لدى البياتي حاضرة بعطرها المستفيض في تكثيف صورها الشعرية.



