ثقافية

إرتباك الرثاء: وجوه وبيوت وذكريات “شهيدة”

مطجك

بغداد – حسام السراي

ختم مُحمّد شكري روايته “الخُبز الحافي” بهذه الجملة: “الصّغارُ إذا ماتوا يصيرون ملائكة والكبار شياطين.. لقد فاتني أنْ أكون ملاكاً”. كم من الصّغار حصدهم العراق العنيد القاهر؟ وكم من قلوب حبيبات وأمّهات وزوجات أفزعتها محنة البقاء هنا على هذه الأرض؟ أرض سواد “مودرن” في نسخة تكتمت عنها الوحشية طويلاً وأظهرت لنا مؤخّراً وجهها الأحدث. دعنا نمعنُ النظر وندقّق طويلاً في هذه الآية القرآنيّة: “إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ”، ولنضع ترسيمات القراءة في حدود مجازات الواقع الحالي، ألا يلتقي النصّ في مخيّلتك أنت فقط مع فكرة كفافي في قصيدته “المدينة”: “سيدبّ الشيب إلى رأسك./ ستصل على الدوام إلى هذه المدينة./ لا تأمل في بقاع أخرى./ ما من سفين من أجلك وما من سبيل..”. خارج المنطق والإدراك، أن تفقد في بغداد من كان يجلس إلى جوارك قبل نصف ساعة، وتنجو أنت بالمصادفة، وبؤس المآل، أن يموت في عرض البحر، من يبحث عن وطن بديل. وجوه ومساكن وادعة وذكريات خاصّة، ابتلعتها فصول عام 2015، وأيّ نهاية هذه…
نورهان ودعاة الأقلمة
يمضغُ فيسبوكيون علكة تقسيم البلاد، ويتبادل بعضهم الشتائم في ساحة المسخرة القائمة الآن، “هؤلاء صفويّون وأولئك دواعش وإرهابيّون”، ولكلّ طرف عُقدته والسُمّ الذي يتناوله، فيأتي خبر استشهاد الطفلة نورهان طلال العسافي مفاجئاً لشقاوات الطرفين من السّنة والشيعة، إذ يذبحها “داعش” مع أهلها البالغ عددهم 11 فرداً بين رجال ونساء، حال دخوله مدينة الرمادي آيار الماضي، فالطفلة الأنباريّة المتّهمة هي وأهلها- على وفق العقائد الجاهزة والمسبقة- أنّها تمالئ الإرهابيّين، يقتلها الدواعش أنفسهم. وعلى الجانب الآخر نشهد استنكاراً وتضامناً غير مسبوقين في وسط وجنوب العراق مع الطفلة التي لم يتعدَّ عمرها عامين، فيستغرب دعاة أقلمة العراق، وتتوقف منشوراتهم وتعليقاتهم ردحاً من الزمن.
نورهان طلال العسافي
نورهان وعائلتها من بين 200 أنباريّ ذبحهم التنظيم الإرهابيّ في أحياء الثيلة والبوعلوان والحيّ الروسيّ والجمعية وحيّ “17” (ضمن محافظة الأنبار)، علماً أنّ أغلب الذين قُتلوا في هذه الهجمة هم من النساء والأطفال الذين ترفض عائلاتهم فكر “داعش” ووجوده، لتُترك جثثهم في الشوارع والأحياء.
العذاري ونوعان من العار
مصطفى العذاري، شهيد عراقيّ آخر زفّته لنا مرارات أيّام 2015، غير أنّ بلاغة فقْده بهذه الطريقة، تدلّنا إلى عارين يمتدّان عميقاً في ماضي العراق وراهنه الحالي، العار الأوّل صلافة القتلة وهم يطبقون تعاليم أجهزة النظام السابق في الإعدام والتمثيل بالجثث، هنا نذهب سريعاً إلى ذاكرتنا عمّا يسمى بـ”الحرس القوميّ” وشناعة أفعاله منذ ستينيات القرن الماضي، فيما العار الثاني، عار الدولة الجديدة التي تترك ممثّلها ورجلها في العراء محاصراً من دون تدبّر أو تواصل أو أدنى درجات الاحتراز الذي تفترضه معركة خطرة ودقيقة مثل التي نخوضها الآن.
وضاح مهدي في لوحة عن العذاري 2015
لحظة إعدام العذاري بريشة الفنان وضاح مهدي 2015
الشاب ابن مدينة (الثورة سابقاً- الصدر حالياً)، تتلاقفه أيدي القتلة وتجول به في أحياء الفلوجة المختطفة هي الأخرى، ثمّ تعلّقه على جسر هناك وتعدمه حينها، يتدلّى جسد العذاري ميّتاً، فيتحقّق البعد الطائفيّ الذي ينتظره مهرجو الطائفتين، قسم يهاجم وقسم آخر يردّ، فيسكن كلّ منهم في وطن افتراضي يخترعه بكبسة زر، ثمّ ينام الجميع ويتهيّأ لمعركة ثانية يظهر فيها إبداعاته في نسف المقابل.
أبو مصطفى الذي اصطفت عند عتبة باب بيته المتواضع، مواكب المسؤولين ورجالات السياسة، وعزّته بمصابه في صالة الاستقبال البسيطة، توفي أيلول الماضي، كان قبلها قد تسلّم علماً عراقيّاً من شاب أنباريّ نازح، يوم زرناه ضمن وفد من شعراء وصحافيّين، قال له أمامنا بالحرف الواحد: “سامحني يا أبي، أنا أيضاً ابنك، لكن في كلّ جماعة من البشر مجرمون وسفلة وأنا لست من بينهم”، غابت الصحافة عن هذه اللقطة المؤثّرة وظلّ ضجيج مواقع التواصل يتصاعد أعلى فأعلى، وجمع من شعراء الموت يصيحون على منصات المهرجانات بالفصحى والعامية العراقيّة: “أعد أعد” أو “أعد بروح أبوك”.
مصطفى ناصر العذاري بعد إعدامه
شهيد الحيّ الشهيد
يجلس الإعلامي المتفائل عمار الشابندر، في مقهى رضا علوان بالكرادة، وسط الحيّ الشهيد الذي أدمن مواجهة العمليات الانتحاريّة منذ 2004، يشرب قهوته في مساء هادئ لم تزاحمه بعد حرارة الصيف، يقرّر قضاء بقية الوقت بين بسطيات الباعة المتجوّلين، يجتذبه صخب المكان ورغبة أناسه في التمسّك بالحياة، بعد فواجع “عمارة الأنباريين” و”مذبحة كنسية سيّدة النجاة” و”مأساة مقهى ارخيته” و”شارع الحمام”*1.
عمار الشابندر
كنت وآخرين على بعد أمتار عنه في المقهى نفسه، اختفى هو وبقينا نحن نتحاور باسترخاء، لحظات ويقتحمنا صوت انفجار قريب وقويّ جدّاً، فلم تعد المجموعة التي كانت معاً تفكّر بغير التوجّه إلى أزقّة فرعيّة لا سيّارات مركونة فيها، بعد عشر دقائق، تتوالى الاتصالات: “عمار بين الشهداء”، أصيح بمن حولي: يا عمر الجفال، ويا زاهر موسى ويا مازن الزيدي*2، دعونا نذهب إلى شارع “أبي نواس” لنكون أكثر أمناً”، نذهب فعلاً، وأمامنا نسوة يركضن بسوادهن القديم ويتحضّرن على ما يبدو لسواد أشد قتامة.
رحل عمار الشابندر صيف 2015، الذي كان قد قدِم من لندن قبل 48 ساعة فقط، ومعه ذهبت مثابرته في تدريب الإعلاميّين، وكذا حركيته الإداريّة التي لا تُنسى.
أيقونة لإحتجاجات 2015
الشهيد منتظر الحلفي (1997- 2015)، الذي أصبح بدمه أيقونة لاحتجاجات عام 2015، شاب بصريّ مغدور برصاص سلاح “البي كي سي BKC” حين وجّهه إليه أحد أفراد الأجهزة الأمنيّة التابعة لمحافظة البصرة، سرعان ما تحوّل إلى رمز عراقيّ، بوصفه محرّكاً للتظاهر على نظام سياسيّ فشل في الحفاظ على حياة الناس وبدّد ثرواتهم إلى غير رجعة منذ نيسان عام 2003.
يرحل (ابن قضاء المْدَينة في البصرة) تموز الماضي، وأصدقاؤه يتذكّرون عنه خلقه العالي وهدوءه وضحكته التي تهزّ البدن كلّما نظرت إلى صورته وقد أصبح في عداد ضحايا العراق الجديد، فمأساته مدار أحاديث البيوت في البصرة البائسة والغنية بالنفط في أوان واحد.
كولاج للروائي مرتضى كزار عن لوحة المجزرة لبيكاسو
كولاج لروح منتظر الحلفي من أعمال الروائي مرتضى كزار عن لوحة المجزرة لبيكاسو
وتلافياً للحرج قرّر مجلس محافظة البصرة، عدّ الفتى المغدور رمزاً للتظاهرات العراقيّة وللإصلاح الإداريّ والماليّ في البلاد، وتمتعه بحقوق وامتيازات “الشهيد”.
لكن اسمه نال أبعد من حقوق يشرعها متحزّبون أميّون ووعود لا وجود لها إلا على الورق، حاز شرف الرسوخ في ذاكرة العراقيّين، الذين ردّدوا اسمه بكلّ سمو ما زالت تضاريسه حاضرة في الروح الرافدينيّة.
منتظر، نبض جديد في الذات العراقيّة، إذ أُنشئت صفحات على مواقع التواصل، وقناة على اليوتيوب باسم “ثورة الشهيد منتظر الحلفي”، نعم هي ثورة “أفقدت النظام مشروعيته، مع بقاء شرعيته” على حدّ قول الباحث علاء حميد.
أغلقت قضية الحلفي عشائريّاً، إلا أنّ باب استذكاره وتخليده مفتوح إلى الأبد.
أن تموت محشوراً في شاحنة
أمّا سعد جمعة، نحّات شاب، ضيّعته أيضاً مجازفة الرحيل إلى أوروبا، بدل أن يصل ويبدأ حياة جديدة في مستقرّ يحترم الإنسان، كان الاختناق مصيره في النمسا، ضمن شاحنة للعبور إلى محطّة اللجوء الأخيرة، فتوفاه الأجل تشرين الأوّل الماضي.
النحّات سعد جمعة
نستعيد نصبيه لرائدي التشكيل العراقيّ، جواد سليم وفائق حسن، ونتوقف عند طموحه المقتول، وكم هي مرعبة هذه النهايات في مصائرنا؟ وليدٌ جديد يطلّ على الحياة عام 1982 يكبر ويتأخّر استحقاق التخرّج في أكاديمية الفنون الجميلة حتّى عام 2012، ثمّ يلغي فكرة البقاء في بلده، ويكون النقص في الأوكسجين عنواناً لموت عراقيّ محشور في شاحنة لا أكثر، هذه هي تفاصيل قصّة من قصص الغياب النادر.
عملا سعد جمعة عن جواد سليم وفائق حسن
مشروع موؤود وإنسان مسحوق
ليس الرصاص والشنق من أعلى الجسر، وسائل وحيدة للتغييب في العراق، بل بؤس الحال الذي يودي بعقل المثقف ويأخذ منه اتزانه وصوابه، معانياً من شظف العيش وانعدام فرص الحصول على عمل ثابت يقيه من مهالك العوز الماديّ، هذه باختصار الظروف التي قادت الشاعر خالد جابر يوسف إلى الموت تشرين الثاني الماضي، وهو الفائز بجائزة يوسف الخال للشعر العربيّ قبل أقلّ من ثلاثة عقود، لينعاه بيت الشعر العراقيّ في بيان له، جاء منه: “نخسرُ في أواخر العام 2015 خالد جابر يوسف الذي سحقت التسعينيات أحلامه، وأخذته مرارة العيش إلى متاهات عزلة وصفها ذات يوم في حوار صحافيّ أجري عام 2012: “الحياةُ ظلمتني كثيراً، لم تتح لي إشباع أبسط متعة كنت أتوق إليها طوال سنين عديدة وهي القراءة، القراءة فقط. كنتُ أتعذّب لأنّني محروم منها، وما زلت محروماً منها إلى حد كبير؛ لأنّني ما زلت مضطراً إلى العمل المنهك الشاق الطويل من أجل توفير متطلّبات الحياة لأسرتي”..
صورة من بيان النعي للشاعر خالد جابر
مسيرة العذاب التي انتهت قبل ساعات فقط، ختمها بعبارات كانت تستشرف النهاية القريبة وتعرّج على محطّات الذات بروح شاعر لا يريد أن يعلن خسارته وخسراننا له: “الحياة جميلة. ربّما لم أعش جمالها كما ينبغي، لكنّني شاهدته وتأملته وشعرت به لا يضيرني بعد ذلك أن أموت، أناس جدد ينتظرون أن يعيشوا هذا الجمال ربّما بشكل أفضل، شكراً يا رب”.
اليوم، بيت الشعر العراقي، في فقْد خالد جابر يوسف ببغداد، ينعاه مشروعاً موؤوداً، وشاعراً مظلوماً، وإنساناً مسحوقاً في بلد قاسٍ اسمه العراق”.
نعي بين الكرخ والرصافة
مضر أنعم، فقيد آخر، غرق في لجّة حلم الهرب إلى أوروبا، ابتلعه الماء في جزيرة “رودس” اليونانيّة، ورماه جثّةً بعدما ارتطم القارب الذي كان يستقلّه بالصخور ليسقط مضرجاً فاقداً للوعي فيفارق الحياة، جثمانه لم يعد إلى بغداد بسهولة، لكنّه عاد في النهاية ولم تبقَ منه سوى ذكراه وبضع لافتات نعي في جانب الرصافة، عند ساحة كهرمانة وسط بغداد وعند مدخل المسرح الوطني الذي نظّم فيه زملاؤه مراسيم تشييع رمزيّ، فضلاً عن لافتات ثانية عند جانب الكرخ من بغداد حيث تسكن عائلته.
المصوّر السينمائي مضر أنعم
مدير التصوير الأسمر، مواليد عام 1984، خريج أكاديمية الفنون الجميلة 2010 (قسم السمعيّة والمرئيّة)، عمل مديراً لتصوير عدد من الأفلام، منها: “كوابيس” 2009 لإياس جهاد، و”عيد ميلاد” 2013 لمهند حيال، و”قطن” 2013 للؤي فاضل، فضلاً عن فيلمه الوحيد “فالنتاين”.
ومثلما قرّر مضر السفر بسرعة قبل أكثر من شهر، فقدناه بسرعة أكبر، وتداعت مع هذا الحادث قيمة أن تكون هنا أو هناك، في كثير من الأحيان أنت تموت في المحصلة، الفرق الوحيد هو السرعة في الإقدام على الموت!
أشواق العراق.. “موصليّة خائنة”
آخر من خسرناهم في قوائم الشهداء العراقيّين، المعلّمة الموصليّة أشواق إبراهيم النعيمي، التي أعدمها “داعش” قبل أيّام فقط، إذ تحدّت التربوية في ثانوية الزهور بنينوى، تعليمات التنظيم ودعت سكان الموصل إلى عدم إرسال الطلاب إلى المدارس الخاضعة لسيطرة “داعش”؛ للأفكار التي تفتك بعقول أبناء وبنات المدينة المحتلة منذ حزيران 2014.
وبمجرّد إصدار الحكم عليها من “المحكمة الشرعيّة” بتهمة الخيانة، نُفذ في الأسبوع الثاني من من شهر كانون الأوّل، رمياً بالرصاص.
لنحفظ هذا الاسم جيّداً أشواق بنت إبراهيم؛ برغم أنّها معرّفة قبل أن تُزهق روحها، ولننتظر ساعة خلاص هذه المدينة، فصورة المرأة الشجاعة معنى من معاني المستقبل في هذه المساحة من أرض العراق.
رائحة رماد في كركوك
بيتٌ ومزرعة، من بقايا صلة قديمة للدكتور عبد الله إبراهيم بوطنه، حيث كركوك التعدّد القوميّ والإثني الذي تزعزع وما زال، يتابع الناقد العراقيّ من مغتربه أحوال مسكنه ومسوّداته ووثائقه، ويحرص على ديمومة الخضرة في المحيط الذي يحتضن عمراناً تتوّج واجهته بحجر أصفر.
بيت د.عبدالله ابراهيم قبل
بيت د.عبدالله ابراهيم بعد التدمير
لكنّ قانون الحرب الأوحد، هو الفناء لكلّ شيء، من بشر وكتب وذكريات. إبراهيم يصعقه الخبر، آذار الماضي، فيلخّص ألمه بهذه العبارة: “هذا هو بيتي في كركوك الذي دُمّر وأُحرق بكامله يوم ١٢-٣-٢٠١٥ وفيه مكتبتي الكبيرة، وأرشيفي، ووثائقي. وقع التدمير، والحرق، ثمّ النهب، بعد أسبوع من انتهاء العمليات العسكريّة بين القوات الكرديّة ومسلحي الدولة الإسلامية (داعش). ينبغي أن نسأل لماذا لم يتعرّض البيت للتخريب، والحرق، والنهب خلال الأعمال العسكريّة التي استمرّت ثمانية أشهر بين الطرفين؟ ولماذا حدث ذلك بعد انسحاب داعش من المنطقة بأيّام”. ما دامت الموجودات أجمعها تتغيّر، اشتغالات الناقد نفسه (من الوصف والتحليل إلى الإستنطاق والتأويل)، وأيضاً مدينته الأمّ، وتطلّعاته، فالفجيعة ذاتها متغيّرة، مرّة تنتزعك من بلدك، وثانية تقذف بذكرياتك وتحيلها على رماد.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى