اخر الأخبارثقافية

” حجر السعادة”.. وقائع فارقة في تأريخ المدينة العراقية

 

المراقب العراقي/ المحرر الثقافي…

يرى الناقد علي حسن الفواز أن رواية حجر السعادة للروائي أزهر جرجيس هي لعبة سردية ذات وقائع فارقة في تأريخ المدينة العراقية

وقال الفواز في قراءة نقدية خص بها “المراقب العراقي “: إن رواية «حجر السعادة» للروائي أزهر جرجيس، الصادرة حديثا عن دار الرافدين/بغداد 2022 تكشف عبر أحداثها وشخصياتها تلك اللعبة السردية، تتقصّى من خلالها سيرة مقترحة، أو متخيّلة، تتكاشف فيها مع وقائع فارقة في تاريخ المدينة العراقية، وعبر استدعاء لعبة التصوير بوصفها وظيفة سردية، لتكون مجالا لمقاربة تلك الوقائع والأحداث، بدءا من بداية الستينيات في القرن الماضي، وإلى تمظهرات ما حدث بعد عام 2003، إذ تبدو حركة شخصية بطلها المضطربة التي تعيش رهابها الداخلي، وتنمر الآخرين عليها، وكأنها تتمثل استجابة مُتخيّلة لـ»نداء سحري» اصطنع له الروائي بيئة تراجيدية هي نظير للبيئة الدوستوبية، التي يعيشها بطل الرواية البطل المُعذّب المطرود، الذي يخضع إلى قسوتها وعنتها ورعب يومياتها، حتى يجد في سحرية «حجر السعادة» الشيفرة التي تدفعه للمغامرة والحلم، وللتخلّص من أعبائه، ومن تنمر الآخرين.

واضاف : أن البطل «كمال» يشبه شخصيات مارك توين مهووسة بطفولة جامحة، وبفضول صبياني مدهش، يهرب بعد غرق أخيه في النهر إلى «غابة الجن» ليجد في «حجر السعادة» خياره السحري الذي عثر عليه مطمورا في طينها، ليساعده على أداء وظيفة القفز على واقعه، للبحث عن حياة يواجه فيها ضعفه، وتأتأته، وعلى نحوٍ هروبي تعززه رغبة الخلاص، إذ يجد في المدينة/الكبرى فضاءه الأوسع، للمغامرة، ولتشكيل بيئة سردية تستوعب حركته، وتحولاته، وغرائبية حياته الصاخبة، وأحلامه في أن يمتلك كاميرا وأن يكون مصورا.

وتابع : أن سردية التصوير في الرواية هي لعبة الحلم، والغواية التي ترافقه في تسريد يوميات المكان، إذ تدوّن الكاميرا هذا الوجود، عبر التقاطات تحتفظ بالسير والوجوه، وعلى نحوٍ يجعل هذا التدوين هو الوجه الآخر لسردية المخفي من المدينة، عبر استدعاء هوية المكان المتحوّل/ شارع الرشيد، واستدعاء الشخصيات التي تعيش انتقالاتها بين عوالم الهامش بكل دستوبيتها، وعوالم لذائذه في المكان اليوتوبي/ الحميم في الاستوديو والشقة، وهي انتقالات كان المؤلف بارعا في تسريدها، تعبيرا عن تمثيله لفكرة الخلاص/والتطهير، ولانحيازه إلى حلم البطل، ولتسويغ حركة الشخصيات في السياق، بوصفها مكونات سردية، اصطنع لها المؤلف سياقا حكواتيا، أراد من خلالها أن يسخر من العالم الجواني للمدينة، وأن يرصد صراعاتها الفاجعة عبر تتبع شخصيات هامشية، لكنها نابهة، تعيش هوسها بالحياة عبر الحركة والبحث عن ذاتها المسحوقة، وعن أمكنتها التعويضية.

واشار الى ان تقانة الكاميرا هي المُحرك السردي للأحداث وللشخصيات، مثلما هي اللعبة التي تُحدد هوية شخصية البطل، بوصفه مدونا لما يُسميه معلمه خليل بالتاريخ، وربما هو الذي يجعله ساخرا في النظر إلى هذا التاريخ، فهو يقول: «كنت محظوظاً لأني أقرأ ما سيمسي تاريخاً، وأشارك في تدوينه، دون حاجة إلى سلسلة رواة».

وأوضح: أن السخرية من التاريخ، لا تعني الهزء به، أو طرده، بقدر ما تتحوّل إلى غواية تدفع البطل «كمال» أو «كيمو» إلى مزيد من الفضول، وإلى البحث عن وجوده، بعيدا عن ضواغط عقدة «الهوية» بوصفه مسيحيا، ويعيش في وسط مغلق، فالروائي لم يعر هذه العقدة اهتماما واضحاَ، واكتفى بعُقد شخصية بطله الخاصة، دون ربطها بأي تمثيل أنثروبولوجي..

وختم: أن النظر في هذا التاريخ/ تاريخ المدينة وسيرة الشخصية لا يتبدى إلا من خلال ما يقترحه البعد البصري الذي توظفه الرواية، من خلال رغبة العم خليل بالاهتمام بصوره والحفاظ عليها، ورغبته في نقلها إلى مطبعة «فوزي المطبعجي» لتحمل اسم «متحف السلام» كشاهد على ما تدونه سردية الكاميرا، ودعوته لـ»كيمو» بإكمال هذه المهمة، وهو ما يعني الإشارة إلى سردية الوثيقة، وإلى إمكانية قراءة التاريخ من خلال ذاكرة الصور، فهي صور ليوميات، ولأحداث مهمة في تاريخ المدينة، وأمكنة تتمثل شخصيتها، وتُعبّر عن رمزيتها، وحتى عن حكاياتها، فما يسرده البطل يعكس وعيه للتحول الذي يعيشه، فيبدو الأقرب إلى شخصية «أسطورية» يعيش الحب مع حبيبته نادية، والأمان في ستوديو العم خليل، ليكتشف آدميته على طريقة «أنكيدو» مثلما يبدو قريبا من الشخصية التي تدرك أن الخلود هو الأثر، وأن الصورة هي المجال السيميائي الذي يؤطّر فكرة الخلود، فضلا عن كونها الشهادة التي تتقصى تحوّلات المدينة بغداد وشارعها الأثير.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى