اخر الأخباراوراق المراقب

سياسة الاحتواء الإنساني

 (ينبغي أن تكون سياسة المسلمين اليوم، سياسة الاحتواء والجمع والإغضاء(، لكل أمة ولكل مجتمع نموذج يتشبّه به، ويتعقب سلوكَه، ويتعلم منه كيف يتعامل مع الآخر، بما يحفظ الروابط الإنسانية التي تجمع ولا تفرّق بين الناس، من خلال سياسة الاحتواء والتغاضي والتسامح عن السلوكيات المسيئة من قبل الآخرين، ونحن كمسلمين أسوتنا الرسول محمد صلى الله عليه وآله، به نتعرّف إلى السبل القويمة التي تبعدنا عن الخطأ.

ومن يطّلع على سيرة أسوتنا ومثالنا الأعلى سوف يجد أن اللين والعفو والتسامح مع المسيئين، نهج أساس يعتمده من خلال سياسة الاحتواء التي تمنع سياسة التصادم، وتقضي على العداوات، وتمنح جميع الأطراف فرصا أكثر وأفضل للتقارب والتواؤم ومواصلة الحياة بأفضل ما يمكن بالمشاركة مع الآخرين وعدم التصادم معهم حتى لو قاموا بالإساءة لنا.

فلابد من إظهار الحكمة والتعقّل في التعاطي مع شؤون الحياة المختلفة، لأن الذهاب وراء الصدامات والاختلافات، يجعل العيش مع الآخرين قائم على العداوة الدائمة والصراعات التي لا تقف عند حد، بينما المطلوب انتهاج الحكمة في التصرّف، واعتماد أساليب الموعظة التي غالبا ما تنجح في تغيير سلوكيات الآخرين.

وبحسب العلماء المعنيِّين في العلوم السياسية وعلم الاجتماع، فإن سياسة الاحتواء الإنساني تُعَدّ من أنجح السبل لمعالجة الاختناقات البشرية سواء بين الدول والمجتمعات، أو بين الأفراد أنفسهم، فالاحتواء يعني الابتعاد التام عن الالتحام بالآخر والتصارع معه، ومواجهته بنفس أسلوب اتصادم الحاد الذي يلجأ إليه، فالاحتواء يمنع حالات التضارب المادي وحتى المعنوي، ويفتح السبل واسعة نحو التهدئة والوئام وإيجاد السبل الكفيلة بحلّ أعقد المشكلات.

مخرجات فعالة لتقوية العلاقات الإنسانية

وهذا الأسلوب من التعامل له مخرجات إيجابية فعالة على صعيد تنقية العلاقات بين الدول والمجتمعات وبين الأفراد أيضا، ولاسيما بالنسبة للمسلمين الذين سبق لهم أن كوَّنوا قوّة كبرى ومؤثرة، على مستوى الدولة والسياسة، وفي نفس الوقت كان لهم تأثيرهم المعنوي على المستوى الأخلاقي والتأثير في العلاقات المتبادلة وطرائق التعامل فيما بين الدول.

وقد أثبتت سياسة الاحتواء الإنساني من قبل المسلمين نجاحا كبيرا، كما تذكر لنا صفحات التأريخ عن سبل تعامل قائد المسلمين الرسول صلى الله عليه وآله حيث حقق نجاحا كبيرا في هذا المجال، مما جعل من المسلمين أكثر تأثيرا على الآخرين في نشر الفضيلة وحالة التوازن، والشعور بالطمأنينة والابتعاد عن النِّدّية المُبالَغ فيها، فالمسلمون لم يبحثوا عن الاختلاف مع الآخرين ولم يستهدفوا التفوق غير المبرّر، بل تعاملوا معهم وفق سياسة الانتماء الإنساني، ولو أنهم اعتمدوا سياسة الإلغاء والتعالي والتفرقة لتعرضوا للضعف والتراجع.

وتتضمن سياسة الانتماء الإنساني جملة من المقومات يأتي في المقدمة منها التعامل الأخلاقي مع الآخرين أو مع الدول والأمم الأخرى، فالنبي محمد صلى الله عليه وآله، معروف للجميع (للمسلمين ولغيرهم) بالأخلاق العالية التي وصفه بها الله تعالى وفضلها على سواها من الصفات، من خلال طرائق التعامل مع الآخرين حتى المختلفين والمعادين منهم للإسلام.

والمنظومة الأخلاقية التي تحلّى بها الرسول صلى الله عليه وآله، منحته إمكانية جمع الفضائل بمختلف مواردها، مما جعله يتميز بالمكرمات الكبيرة التي عُرفَ بها، وكانت ظاهرة للعيان، من خلال السلوك النبوي مع الجميع دون استثناء، وقد لمس الآخرون هذه الصفات النبوية قبل غيرهم من خلال تجريد الانتمائي من حالات التطرف والتعصّب والإلغاء.

وكان الناس الذين يرون صفات الرسول صلى الله عليه وآله سواءٌ عن قرب أو عن بعد، من خلال السماء أو التناقل الخبري الشفاهي، فإنهم لا يمكن أن يحيدوا عن التأثر بهذه الأخلاق وهذه القيم والتعاملات الإنسانية العالية للنبي محمد صلى الله عليه وآله، وهو ما تميزت به السياسة العامة لدولة المسلمين وطبعت سلوكياتهم، وجعلتهم يقدمون الفعل والتآزر الإنساني على سواه، فجعلوا من الآخرين متأثرين بقوة ومتقاربين من الإسلام والمسلمين.

الاقتداء بالنموذج الأخلاقي المثالي

حيث كان المسلمون محط إجلال واحترام من لدن الآخرين، كونهم قدموا النموذج السلوكي الأخلاقي المثالي في التعاطي والتعامل المتوازن بغض النظر عن اختلاف الانتماء الديني أو العرقي أو الجغرافي، وحين لامس الآخرون هذا التعامل الإنساني العظيم لقائد المسلمين وللمسلمين أنفسهم، عمدوا إلى سمات الإجلال والتوقير والطاعة له والتأثّر به بقوة.

فقد كانت المعاني السامية والرفيعة التي تلتصق بالفعل السلوكي والمعنوي لرسول الله صلى الله عليه وآله، خير محفّز للآخرين كي ينتموا للإسلام، ويقتدوا بكل فعل وتصرّف خلاق يرونه بأعينهم، فيكونوا أقرب للمسلمين من غيرهم، وهذا يدل على أن التعامل مع الآخرين وفق الانتماء الإنساني دفع بهم إلى الانتماء للإسلام ولمبادئه وتعاليمه المنصفة.

وهكذا جاءت سياسة الانتماء الإنساني لقائد المسلمين، لكي تفتح الآفاق واسعة أمام جميع البشر، بغض النظر عن اللون، أو الشكل، أو العِرْق، او اللسان. فالجميع نظراء لبعضهم البعض، والجميع في نظر الإسلام سواسية، في القيمة الإنسانية، وفي الكرامة، وأهم معيار يمكن أن تقييم الإنسان به (التقوى)، فكلما كان الإنسان أكثر تقوى من غيره كانت قيمته ومكانته عند الله تعالى وبين الناس أقوى من الآخرين.

وهذا ما نصَّ عليه القرآن الكريم، وهو أيضا ما طبّقه الرسول محمد صلى الله عليه وآله، بحيث جعل من الأخلاق الرفيعة والتقوى الراسخة ومن القيم النبيلة صفات ومعايير مهمة للتقييم الإنسان بما يستحقه، وهذه الأمور مجتمعة نجدها في اعتماد الانتماء الإنساني والمساواة بين الناس، وعدم التمييز فيما بينهم وفق معايير لم يعتمدها المسلمون آنذاك.

وهذه هي الحصيلة الأهم فيما يتعلق باعتماد الانتماء الإنساني للتقريب بين بني البشر، ومنع الخلافات، والنزاعات، والفتنة فيما بينهم، فالإسلام بنى أعظم دولة عبر سياسة اللين والعفو والتسامح والمساواة والإنصاف، وأعطى للإنسان أينما كان قيمة كبرى، جعلت منه ميّالا إلى الإسلام لأنه لم يميّز إنسانا على آخر، بل جعل من الجميع سواسية تحت مظلة الحق والعدل والإنصاف وبقية القيم العظيمة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى