حضور الطقوس الحسينية في رواية “أفراس الأعوام”

المراقب العراقي / المحرر الثقافي …
يرى الناقد أ.د. مصطفى لطيف عارف، إن الطقوس الحسينية كانت حاضرة بقوة في رواية “أفراس الأعوام” للروائي زيد الشهيد.
وقال عارف في قراءة نقدية خص بها “المراقب العراقي”: نجد في رواية “أفراس الأعوام” للروائي المبدع (زيد الشهيد) انها تحتوي على رؤى فلسفية، وليست هي الفلسفة المحضة التي ورد ذكرها في كتب الفلسفة، بل هي رؤى إنسانية تستشرف المستقبل وتحاول تنويع الواقع، وتغيّره إلى واقع أفضل، وكذلك الرؤية الفلسفية نحو الماضي من خلال رموزه التاريخية والأسطورية والحكايات الشعبية، وعند استنطاق نصوصه القصصية، نجدها تتحدّث عن الزمن الذي تجري فيه أحداث الرواية، ويمكن إن يكون في الماضي أو الحاضر، أو يكون في المستقبل، ويمكن إن تكون ارتدادات في الزمن، كما في قصص تيار الوعي، فيتداخل الزمن الحاضر بالماضي أو المستقبل بحسب أحداث الرواية.
وأضاف: أن الروائي (زيد الشهيد) يعيد تركيب بعض الأفكار المعلن عنها في العلاقة بين الرواية ومفهوم الزمن، حيث يخلص إلى القول، بان الذاكرة والديمومة تعدان الأداتين اللتين يتفق حولهما الزمن النفسي والفلسفي للأدب، فإذا كانت الديمومة هي التدفق المستمر للزمن، فإن الذاكرة ليست سوى مستودع أو خزان للمسجلات والآثار الثابتة للأحداث الماضية يشبه السجلات المحفوظة، غير أن الفكرة الرئيسة التي لم يتوسع الروائي فيها تتمثل في تصوره حول التداخل الدينامي، إذ إن العلاقة المتفاعلة بين الزمن والذات، وهو ما يفرز لنا مدى التركيز على الترابطات الزمنية التي لا يتم ترتيبها بانتظام في رواية (أفراس الأعوام)، ما يعني كسر العلاقة بين السابق واللاحق، كما تكشف عنها الأحداث في الرواية عن طريق الزمن الداخلي، المرتبـــــط بالشخصية المحورية الفاعل يقوم على استحضار البطل الماضي بواسطة الذاكرة والومضة الوراثية، وهو زمن المستقبل المعاش في الحلم بنوعيه حلم النوم وحلم اليقظة.
وتابع: نجد البطل/الفاعل، عند تلقيه للصدمة يلجأ إلى تغييب رد الفعل الخارجي الجسماني، ليحل محله النشاط النفسي المعتمد على الذاكرة التي تتراكم فيها ذكريات مشاعر الإحساس بالمحنة، فهو ينقلنا إلى الزمن الماضي أيام النظام الملكي فيسرد لنا الأحداث، فنراه يقول:- أعود إلى ثلاثين عاما خلت وذلك الصباح الذي قادتني لحظات ضحاه إلى دائرة البريد، لأكتب برقية طويلة على هامش إصدار وزارة الداخلية ونحن في العام 1935 أمراً بمنع إقامة شعائر الزنجيل والتطبير واقتصار طقوس عاشوراء على إقامة جلسات الوعظ وتنوير العامة من الناس بخطأ إقامة مثل هكذا ممارسات، لا تمت للدين الحنيف بشيء، وإنما هي سلوكيات جاهر بها الغلاة ودفعوا بها إلى البسطاء، ليجعلوها طقوسا ترتدي معطف التقديس. إذ يتكاثف زمن الديمومة أي الزمن الجاري لا زمن القياس، زمن يجري، ويتكون كما يقول برغوس هو الذي يجعل كل شيء يتكون. وأشار الى إن اعتماد الروائي (زيد الشهيد) على الزمن الداخلي هو الذي خلف توارد جميع أحداث روايته، باعتبار أن الفاعل في الجزء الأول من ملفوظ روايته يعيش حالة الصدمة والألم، ويلجأ إلى استحضار الماضي عبر الأحلام والذكريات لتفتيت هذا الألم وإحلال محله اللذة.
وواصل: في الجزء الثاني من روايته عندما يكتشف الفاعل لدخول التحدي عن طريق إثبات وجوده باللجوء إلى الماضي والتصور المستقبلي، فيقع بذلك تجاوز للزمن الخارجي وما يطبعه من رتابة يولدها تسلسل الأحداث السردية تسلسلا خطيا، فالبطل /الفاعل ينطلق من الآن إلى الماضي ثم إلى المستقبل عبر الحاضر إلى زمن ينتقل فيه الراوي بين مختلف الأبعاد الزمنية بكل حرية دون اعتبار لما قد يحدث لدى القارئ من تداخل بين الأحداث وما قد يجده من عسر في إدراك رباطها المنطقي.
وأكمل: نجد الروائي (زيد الشهيد) يسرد لنا الأحداث بطريقة متسلسلة وشيقة، فنراه يقول:- من هامش حرية قدر جعفر وجودها مستفيدا من فرصة توجه الدولة إلى احترام الفن والأدب والإبداع قبل فكرة إقامة معرض فني لجميع أعماله طرحها عليه أعضاء رابطة الفن التشكيلي المنشأة حديثا في الأول من تموز 1959، حيث أشاروا إلى انه رائد الفن التشكيلي في المدينة، وفي إطار هذا الزمن الداخلي المتشابك يبرز الزمن الكائن المتصل بماضي الفاعل البطل وحاضــره، وما يتســم كلاهما من التأزم المرتبط بعلاقة انفصال اللذة/الأم، الوعي/اللاوعي. كما يبرز الزمن الممكن وهو يومئ إلى المستقبل وما يمكن أن تفعله الكتابة المضادة التابعة من كيان الفاعل المثقف الذي يدرك أحقية هذه الكتابة في تغير الوضع الكائن، أما الزمن الخارجي وهو الزمن الذي يبقى عند طرفي الرواية، البداية والنهاية.
وختم: أجمل ما في رواية (أفراس الأعوام) أنها تتحدث عن شخصية المثقف، السياسي والرسام والتي تناول فيها المبدع الكبير زيد الشهيد، سرد سيرة غيرية عن مدينة السماوة والتي تعد وثيقة تاريخية، وعن بطلها القائد والمناضل والسياسي جعفر بشكل جميل ومعبر عن شاعريته، فهو الشاعر والفنان والروائي في روايته أنها تناولت ثالوث “المثقف والسياسي والرسام الحالم”، فضلا عن أنها تتحدث عن زمنين، الماضي زمن الظلم والاضطهاد من خلال ممارسات القتل والتدمير، والحالي من خلال تطبيق الظلم على الفقراء.



