بايدن.. الرهان الأخير على الملف النووي

بقلم/ أكرم بزي..
ما قام به الرئيس الأمريكي من تراجع مُخزٍ لمواقفه تجاه المملكة العربية السعودية (تحويلها إلى “دولة منبوذة”)، وإهماله التواصل مع ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان (بغية تأديبه جراء جريمة قتل الصحافي جمال خاشقجي في السفارة السعودية في إسطنبول، في 2 تشرين الأول/أكتوبر 2018)، جاء بمثابة صفعة على وجهه، لم يكُ في مقدوره تجاوزها. فهو كان مضطراً إلى قبول هذا الموقف المُذِلّ، وخصوصاً بعد الانتقادات الكثيرة التي تعرّضت لها إدارته بعد الخروج المُذِلّ للقوات الأميركية من أفغانستان، والإخفاقات العسكرية له ولحلفائه في حرب أوكرانيا.
لكن الأسئلة، التي تطرح نفسها بقوة، هي: لماذا يضطرّ رئيس أقوى دولة في العالم إلى القيام بمثل هذا الأمر؟ وماذا سيحقق من مكاسب؟ وهل هو فعلاً مضطرٌّ إلى القيام بزيارة الكيان الصهيوني لتأكيد المؤكَّد بشأن موقف أميركا من حماية “أمن إسرائيل”؟ والطلب إلى السعودية ودول الخليج زيادةَ إنتاج الطاقة من أجل تزويد دول أوروبا بها؟ ألم يكن في الإمكان تجنُّب هذا الموقف المُذِلّ له، والقيام بخطوات أقل سوءاً وضرراً؟ أم أن هناك ما هو أكبر من ذلك؟
“لن نترك المنطقة لروسيا والصين وإيران”؛ هذا ما صرح به جو بايدن. لكن، لمن سيتركها؟
هل يتركها من دون حماية؟ وهل الدول العربية، و”دول مجلس التعاون الخليجي” (يوجد فيها عدد من أكبر القواعد العسكرية الأميركية)، بصورة خاصة، في حاجة إلى هذه الحماية، أم أنها تحتاج إلى وكيل رسمي موثوق به، ويتشارك في الأطماع والأهداف العسكرية والأمنية نفسها، ومن سيكون أوثق لأميركا من “الكيان الصهيوني” من أجل القيام بهذه المهمة؟
هذا ما أشار إليه وتحدّث عنه كثيرون من المحللين السياسيين في منطقتنا، تحت عنوان: “الناتو العربي”، الذي يضمّ الدول المطبّعة “حديثاً” مع العدو الصهيوني، وغيرها، والذي أُغفل ذكره خلال القمة، بل قد يكون أُثير، بصورة سرية، خلال اللقاءات الثنائية، التي جمعت بايدن وعدداً من القيادات العربية.
إن الحديث عن مشروع دمج “إسرائيل” والدول العربية في تحالف دفاعي لم يستسِغْه القادة العرب، وهذا ما حدا ببعض المحلّلين إلى استنتاج مُفاده أن بايدن فشل في أن يأخذ وعداً من وليّ العهد السعودي محمد بن سلمان “بدمج إسرائيل رسمياً” في تحالف إقليمي مع العرب، الأمر الذي أدّى إلى تراجع عدة دول عربية أيضاً، وخفتت الحماسة لديها، بسبب ما سيجلب عليها هذا الأمر من مخاطر، تضعها في قلب الصراع الصهيوني – الإيراني.
لذا، رأينا أنور قرقاش، مستشار الشؤون الدبلوماسية للرئيس الإماراتي، يصرّح بأن “أبو ظبي في صدد إرسال سفير إلى طهران، وتريد إعادة بناء العلاقات معها”. وقال إن “الإمارات العربية المتحدة لن تكون جزءاً من محور ضد إيران”، حتى لو أنه ذكر أن “تصرفات طهران في المنطقة لا تساعد الجهود الدبلوماسية”، مؤكداً أن “أبو ظبي منفتحة على كل ما يحمي الإمارات، دون استهداف دولة ثالثة”. وأضاف أن “فكرة نهج المواجهة مع إيران ليست بالشيء الذي تتبنّاه الإمارات“.
وأيضاً، رأينا عدداً من المسؤولين السعوديين يعملون على التهدئة مع إيران، وعلى رأسهم وزير الخارجية، فيصل بن فرحان، الذي قال، رداً على سؤال أحد الصحافيين، خلال مؤتمر صحافي على هامش “قمة جدة للأمن والتنمية”، بشأن طبيعة “اليد الممدودة” من المملكة العربية السعودية إلى إيران: “نحن حريصون على الوصول إلى مسار من التفاهمات بين البلدين”، بالإضافة إلى تعليقه على دور العراق في المباحثات بينهما.
إذاً، في إمكاننا، على الأقل، القول إن هذا الموضوع (تشكيل تحالف) تمّ تأجيله بسبب ما له من تداعيات خطيرة على مستوى ردّة فعل الشعوب العربية تجاهه أولاً، ونتيجة ما له من ضرر بـالقضية الفلسطينية، بالإضافة إلى خطر المواجهة المباشرة مع محور المقاومة في المنطقة.
من السيناريوهات التي تحدّث عنها كثيرون من المحللين السياسيين، في الآونة الأخيرة، أن ما قام به الرئيس الأميركي، جو بايدن، خلال زيارته منطقة الشرق الأوسط، كان يهدف، من ضمن السلة التي كان يحملها، إلى طمأنة حلفائه، من خليجيين وقادة الكيان الصهيوني، بشأن “توقيع الاتفاق النووي مع إيران”، وهذا أشار إليه الرئيس الأميركي نفسه، الذي قال إنه سيمنع إيران من الحصول على قنبلة نووية من خلال “المفاوضات الدبلوماسية”، التي كان آخرها مفاوضات الدوحة في قطر، بعد 7 جولات جرت في فيينا.
فهل يغامر الرئيس الأميركي في كل الوعود التي أطلقها خلال حملته الانتخابية، بشأن العودة إلى الاتفاق النووي مع إيران، ويلغي مفاعيل كل المحادثات والجولات التي قامت بها الأطراف المشاركة في المحادثات النووية، أَمْ أنه سيلعب آخر أوراقه في المنطقة، ويعود إلى الاتفاق مع إيران.
من المعلوم أن جو بايدن اختار فريق عمله الأساس في البيت الأبيض من المجموعة التي عملت معه عندما كان نائباً للرئيس باراك أوباما (وليم بيرنز، أنطوني بلينكن وربرت مالي، وغيرهم 15 مستشاراً ووزيراً). وكل هؤلاء عملوا على صفقة الملف النووي. فالفريق المفاوض الحالي، وعلى رأسه روبرت مالي، وعلى الرغم من تصريحاته الأخيرة بشأن “تضاؤل الأمل بشأن الوصول إلى توقيع الاتفاق”، فإنه يُعَدّ من أشدّ المتحمسين لإبرام الاتفاق، بالإضافة إلى وزير الخارجية الأميركي، الذي يتوق إلى تحقيق إنجاز تاريخي فيما لو أُبرم الاتفاق، وخصوصاً بعد الإخفاق في الحرب في أوكرانيا، وحاجة الولايات المتحدة، وأوروبا بصورة خاصة، إلى بديل عن الغاز الروسي.
أمّا في المقلب الإيراني، وبعد وصول الرئيس إبراهيم رئيسي إلى الرئاسة الإيرانية، فإنه عمل مع الفريق المفاوض، بأقصى ما يملك، على إنجاح الاتفاق. فالإدارة الأميركية الحالية، وعلى رأسها جو بايدن، لديها القناعة التامّة بالوصول إلى نهايات رابحة في الاتفاق النووي، ولاسيّما أن الرئيس بايدن سعى، في فترة حكم أوباما، لإنجاح الاتفاق، بل عدّه إنجازاً وانتصاراً للوصول إلى اتفاق يحقّق الأهداف الإيرانية، وأقلها رفع العقوبات الجائرة بحق إيران.
الإدارتان الإيرانية والأميركية تسعيان لتوقيع الاتفاق، فالولايات المتحدة تريد إعادة الهدوء إلى المنطقة، وتريد إنجازاً تاريخياً يغطي على الأزمات التي تعانيها، معيشياً واجتماعياً، والتفرغ للمواجهة مع روسيا في الحرب في أوكرانيا حالياً، ومع الصين لاحقاً. وإيران تعاني ما تعانيه جرّاء ضائقة اقتصادية قاتلة، وتدرك تماماً الآثار المدمرة فيما لو وقع الانفجار، في المنطقة، وعلى حلفائها تحديداً. فإذا كانت الولايات المتحدة و”الكيان الصهيوني” يسعيان لعدم حصول إيران على القنبلة النووية، وإذا كانا يخشيان الحرب بسبب ما لها من آثار سلبية في الكيان الصهيوني أولاً، وفي مصالح الولايات المتحدة في المنطقة ثانياً، فلا بدّ، إذاً، من الوصول إلى توقيع الاتفاق، لأن الخيارات الأخرى ستكون كارثية على العالم أجمع، وليس على منطقتنا فحسب. أضرّت بهم أكثر مما أضرّت بالروس.



