الحق والباطل وسبل معرفتهما في مدرسة أهل البيت«ع»

إن كل ما في الدنيا من أعمال لا يعدو أمرين إثنين إما حق وهدى أو باطل وضلال وهو متردد بينهما لا محالة. ومسألة الحياد في أمر الحق والباطل مسألة غير واردة وحين يقول إنسان:أنا محايد بين الحق, والباطل ؛ يصنف في دين الله وشرعه في قائمة أهل الباطل, ولذلك يقول الله تعالى:”فَذَلِكُمُ اللّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلاَلُ ..”سورة يونس ،الآية 32.والحق والباطل بينهما صراع منذ أن خلق الله الإنسان, يقول تعالى:”يَا آدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى” سورة طه،الآية 117.ولم يترك الله جل وعلا أمر الحق والباطل لابساً على الناس مدلساً عليهم من قبل الشيطان وأتباعه،ولذلك أرسل الرسول تلو الرسول،والنبي تلو النبي كي يبينوا طريق الحق حتى ختمهم بمحمد(صلى الله عليه وآله وسلم) سيد الخلق أجمعين .وبالرغم من أن الحق أصبح واضحاً وبيناً ومن الأمور الثابتة التي يمكن تعرفها ومشاهدة مصاديقها من أصغر جوانبها حتى أكبرها وتطبيق أنفسنا عليها. لكن الأمر أكبر من ذلك وهو متعلق بسؤال خطير ومهم وهو لماذا يعجز الكثير عن اتباع الحق الواضح البيّن؟! .. وللإجابة عن هذا التساؤل لابد من إثارة قضيتين أساسين هما:
أولاً: سبل معرفة الحق والباطل، وكيفية التعرف على الحقيقة.
ثانياً: معرفة الموانع التي تحول دون ادراك الحقائق،والتي تجب ازالتها عن طريق البحث.
فلو ادرك الإنسان السبل الصحيحة والمقاييس الضرورية لمعرفة الحق والباطل،وفهم الحقائق فهماً صحيحاً،وقام بدراستها وتقويمها، واجتث من قلبه ونفسه جذور موانع معرفة الحقيقة، وأزال العقبات الخارجية التي تقف في طريق بحثه ومعرفته، لما كان ثمة شك في أنه سيشاهد وجه الحقيقة الناصع ولا يعود للدخول في ميادين النزاع والجدال والمعارضة في ذلك مع سائر بني البشر،وبذلك تتخلص البشرية من كل أنواع الاعوجاج والانحراف الفكري ومن أكثر أمراضها الاجتماعية فتكاً وهي الفرقة فتصبح موحدة متعاونة.
يقول أمير المؤمنين (عليه السلام) بهذا الشأن:”أيها الناسُ،مَنْ سَلَكَ الطَّريقَ الواضِحَ وَرَدَ الماءَ،وَمَنْ خالَفَ وَقَعَ فِي التِّيهِ”.
ولكيفية تعرف الحقيقة والإجابة عن سؤالنا علينا الاهتمام اهتماماً كاملاً بعدد من القضايا الأساس،مثل:
– ضرورة السعي والعمل المستمر
يقول أمير المؤمنين (عليه السلام):”..وَلا يُدرَكُ الحَقُّ إلاّ بالجدِّ” فكثير من الناس يرغبون بلوغ الحق،ولكن دون سعي أو جهد، لكنهم لا ينجحون.
– ضرورة الصبر والثبات والتحمل لبلوغ الحق
ان البحث عن الحق لتعرفه ترافقه بعض المشاكل، وحين نعرف الحق ونريد عرضه وتعريفه للناس تواجهنا مشاكل كثيرة أخرى،وإذا وقفت في الجهة المعارضة للحق ثقافة الباطل والحكومات الباطلة والسلطات الطاغوتية، فسوف نغرق في بحر من المشاكل. ويرى أمير المؤمنين(عليه السلام) في”نهج البلاغة” وجوب تحمل مشاكل البحث وصعابه،بل وحتى تحمل التعذيب والنفي والهجرة من أجل ابلاغ صوت الحق،والقيام بالدفاع والجهاد وتقبل الأسر والسجن،بل واستقبال الشهادة في سبيل الحق.
ومن البديهي أن يقل انصار الحق في مثل هذه الأحوال وتصعب النصرة. فهناك من الناس من يعجز عن معرفة الحق بغير عناء ومشقة،لذا نراهم يصطبغون بلون ثقافة الباطل. يقول الإمام عليعليه السلام بهذا الشأن:”… وَاعلَموا رَحِمَكُمُ اللّهُ أَنَّكُم في زَمانٍ القائِلُ فيه بِالحَقِّ قَلِيلٌ، وَاللسانُ عَنِ الصِدقِ كَليلٌ، وَاللازِمُ لِلْحَقِّ ذَلَيلٌ”.
ولهذا السبب نجد أن كثيراً من علماء الشرق ومفكريه، الذين توصلوا الى الحق من خلال بحوثهم العلمية، لا يجرؤون على اعلانه وعرضه على الناس، لأنهم لا يودون ان يسجنهم الحكام أو تبلى أجسامهم في معسكرات الأعمال الشاقة.
كما أن الباحثين الغربيين قد فهموا،في عصر الابتذال والفساد والأمراض النفسية، بطلان القيم الغربية، وادركوا الحقيقة من خلال دراستهم،لكنهم لا يجرؤون على ابلاغها للناس.
من الفوارق الرئيسة بين المصلحين المفكرين من البشر العاديين،وأنبياء الله وأوليائه(عليهم السلام) والأحرار من الناس، أن الأنبياء(عليهم السلام) وتلاميذ الرسالة الإسلامية وعلماء الدين الواعين وقفوا كل ما يملكون لمعرفة الحق وسيادته، ولم يخشوا في ذلك لومة لائم، وانما عشقوا الشهادة فحملوا أرواحهم على الأكف من أجل بلوغ الحق وتعريفه. يقول
أمير المؤمنين (عليه السلام) في وصيته لولده الإمام الحسن المجتبى (عليه السلام) عن ضرورة تحمل المشاكل والصعاب:”..وَخُضِ الغَمَراتِ لِلحَقِّ حَيثُ كَانَ،وَتَفَقَّه في الدِّينِ،وَعَوِّد نَفسَكَ التَّصَبُّرَ على المَكرُوهِ،وَنِعمَ الخُلُقُ التَّصًبُّرُ في الحَقِّ”.
– ضرورة البحث والتنقيب
ان الحق والحقيقة لا يظهران من تلقاء نفسيهما في كل زمان ومكان وفي مختلف الظروف والأحوال، بل ينبغي التوصل إليهما بالبحث والتنقيب وبالطرق الخاصة لمعرفتهما، وعدم ابعاد دلائلهما الأصيلة عن النظر، بل بلوغهما بالسعي المستمر، لكي نشاهد بأم أعيننا الوجه الحقيقي للحقيقة.
وتزداد أهمية هذا السعي بشكل خاص حين يلبس الباطل لبوس الحق ويصطف الى جانبه،وحين تطرح صنوف الباطل عند التحولات السياسية وفي الحكومات الطاغوتية والتسلط الاجنبي باسم الحق والحقيقة وفي لبوسهما وعلى هيئتيهما، يقول أمير المؤمنين (عليه السلام) بهذا الشأن:”وَلَيسَتْ عَلَى الحَقِّ سِماتٌ تُعرَفُ بِها ضُرُوبُ الصِّدقِ مِنَ الكذِبِ”.
– إستخدام العقل وقوة التفكير
بعد الاحساس بالحقيقة وادراكها ومشاهدتها متمثلة في: النظام العام، والهدفية في خلق المخلوقات، والقوانين التكاملية الدائمة والشاملة، وتناسق كل أجزاء النظام، يأتي دور الاستخدام الصحيح للعقل والفكر، يقول أمير المؤمنين(عليه السلام)”..وَلَوْ فكَّرُوا في عَظِيمِ القُدرَة، وَجَسيمِ النِّعمَةِ، لَرَجَعُوا الى الطَّرِيقِ”.ويقول(عليه السلام) عن دور العقل في تشخيص الحق والباطل:”كَفاكَ مِنْ عَقْلِكَ ما أوْضَحَ لَكَ سُبُلَ غَيّكَ مِن رُشْدِكَ”.
– علم الغيب
ان علم الغيب الذي اختص به الأنبياء والأئمة المعصومون (سلام الله عليهم) يعد أحد القنوات الأخرى لمعرفة الحقيقة.
فنبي الإسلام الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم)،وأئمة الحق كشفوا بعلم الغيب (الذي أفاض الله تعالى ومَنَّ به عليهم) الكثير من الأسرار الكامنة، وعلموا البشرية علوماً مختلفة، وحولوا كثيراً من مجهولات البشر الفكرية والعقائدية والعلمية الى معرفة صحيحة ويقين، وأوضحوا ماهية المستقبل والتفكير فيه، وتحدثوا عن الماضي بالقدر الذي ينفع في نضج الإنسان وتكامله، وفسروا القرآن، كلام الله، بما يلبي حاجات كل عصر وزمان، وشرحوا المبادئ والخطوط العامة التي يحتاج اليها الانسان مع الاجابات الشافية لكل التساؤلات بوضوح ويسر.
والدور القيم الاخر الذي يؤديه علم الغيب يتمثل في تصحيح معطيات الحواس والعقل البشري، أي اننا محتاجون الى علم الغيب في استخدام قنوات معرفة الحقيقة وتوظيف الحواس والعقل، وذلك لكي نستطيع التقويم بشكل صحيح، ونفكر بصورة سليمة، ونتعرف على الحق، يقول أمير المؤمنين (عليه السلام):”أَيَها النّاسُ، سَلُوني قَبلَ أَنْ تَفقدُونِي فَلأنا بِطُرُقِ السَّماءِ أَعلَمُ مِنّي بِطُرُقِ الأرضِ”.
فحين يكون الإمام العالم بالغيب وبالأسرار الكامنة في الكون، الى جانب الانسان ليأخذ بيده ويطلعه على حقائق نظام الوجود، لن يكون هناك أي انحراف أو اعوجاج فكري.
وها هم شيعة العالم اليوم يستفيدون من المصدر الهائل المتمثل في أحاديث أهل البيت (عليهم السلام) وهي أساس الفقه والتفقه واستنباط أحكام الله تعالى،وقد حرمت سائر المذاهب والطوائف من هذه الثروة العظيمة التي يعد “نهج البلاغة” جزءاً منها.
يقول أمير المؤمنين (عليه السلام) في مواقف أئمة الحق:”..لا يُخالِفُونَ الحَقَّ وَلا يَختَلِفُونَ فِيهِ،وَهُم دَعائِمُ الإسلامِ،وَوَلائجُ الإعتِصامِ،بِهِمْ عَادَ الحَقُّ الى نِصابِهِ،وَانزاحَ الباطِلُ عَن مُقامِهِ”.
لقد أشار الإمام في هذه العبارات الرائعة الى عدة نقاط مهمة هي:
أ- لما كان أئمتنا (عليهم السلام) معصومين،ولا يعانون من عقبات باطنية،فإنهم لا يخالفون الحق،والحق معهم وهم مع الحق أبداً.
ب- لما كانوا ينظرون الى الحقائق كما هي، ويقومون بتجربتها وتقويمها بشكل صحيح بمقياس العقل والفكر، لتمتعهم بفطرة سليمة ومتكاملة وبعلم الغيب ـ المفاض عليهم من الله تعالى ـ أيضاً، لذلك لا يشكّون في الحق أبداً “وَلا يَختَلِفُونَ فِيهِ”.
ج- وبما ان هؤلاء الأئمة معصومون ويعلمون الغيب المفاض، فهم أعمدة الاسلام الراسخة والأمثال الحقة والرموز الصادقة لأمة الإسلام.
د- كل من اتخذ الأئمة المعصومين(عليهم السلام) مقياساً وأساساً لمعرفة الحق واتبع اقوالهم وأفعالهم فقد بلغ الحق، وهنا يعود الحق الى موقعه الأصلي “بِهًم عَادَ الحَقُّ الى نِصابِهِ” ويرحل الباطل وينحسر عن المجتمع المتنوّر بنور الولاية العلوية.
– الوحي والقرآن الكريم
من المصادر الأخرى لمعرفة الحق والباطل، القرآن الكريم الذي يعرض المقاييس الصحيحة لمعرفة الحقائق، وهو مقياس تقاس به معلومات البشر وما يتوصلون اليه، فلو أخطأنا في التفكير وسرنا في الطرق المنحرفة،فالقرآن الكريم هو الذي يدلنا على الطريق القويم،ويهدينا ويعلمنا سبل بلوغ الحق،ويعرض علينا الحقائق بصراحة ووضوح،وهو الأصل لمعرفة الحقائق. يقول أمير المؤمنين (عليه السلام) بهذا الشأن:”وَعَلَى كِتابِ اللّهِ تُعرضُ الأَمثالُ”؛ فالقرآن الكريم يرد بالإيجاب المطلوب على كل حاجات الإنسان.
يقول تعالى:”وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ” سورة الأنعام،الآية 59.
نحن نعلم أن المرء ليس قادراً على استنباط كل شيء من القرآن الكريم دون الاستعانة بعالم به،وبأحاديث رسول الإسلام الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم)، وبتفسير الأئمة المعصومين (عليهم السلام) يقول أمير المؤمنين (عليه السلام):”إنَّ الله سُبحانَهُ أَنْزَلَ كِتاباً هادِياً بَيَّنَ فِيهِ الخَيرَ والشَّرَّ فُخُذوا نَهجَ الخيرِ تَهتَدُوا”.
ومن الواضح أن عامة الناس عاجزون عن الاستفادة من أي كتاب علمي تخصصي دون الاستعانة بخبير من أهل ذلك العلم، لذا فقد قَرنَ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) في حديث الثقلين الشهير القرآن الكريم بالأئمة المعصومين(عليهم السلام) في قوله(صلى الله عليه وآله وسلم):”إني تاركٌ فيكُمُ الثَّقَلَينِ، كِتابَ اللّهِ وَعِترَتي”.
وخلاصة القول: لو أن طلاب الحق والحقيقة نظروا نظرة صحيحة الى حقائق نظام الخلق الحق،ثم قاموا بتقييمها تقييماً صحيحاً في ظل الوحي وعلوم أهل البيت (عليهم السلام)، بالاستعانة بما منحهم الله من قوة الفكر والعقل،واستفادوا أفضل الاستفادة من سبل المعرفة وقنواتها الأخرى،وأزالوا عن طريقهم العقبات الباطنية والخارجية،لتمكنوا من معرفة الحق والحقيقة،ولم يختلفوا فيهما،ولتجنبوا الوقوع في أي خطأ أو زلل ولم تخل نتائج بحوثهم من ثمرة،ولم يضيعوا سنين طوالاً يؤيدون الفرضيات الباطلة،بل لحثوا الخطى على الطريق القويم.




