أفريقيا في الوعي الاستراتيجي التركي

العلاقات التركية الأفريقية هي علاقات قديمة، فقد كانت أجزاء مهمة من الجغرافيا الأفريقية جزءاً من الإمبراطورية العثمانية. وقد شهدت هذه العلاقات تراجعاً بعد تضعضع سلطان هذه الإمبراطورية وقيام سلطة أتاتورك، لكن تركيا فطنت أهمية أفريقيا التي تعد القارة الثانية من حيث المساحة في العالم، ويعمرها نحو مليار وأربعمئة مليون نسمة، وتعد المستودع الأكبر للمواد الخام في المعمورة، وهي الأفق الإنتاجي المتعدد والمهول، وهي لكل ذلك تكتسب أهمية خاصة في ميزان التجارة والاقتصاد في إطار التنافس الدولي حول الموارد والأسواق. يُضاف إلى ذلك الثقل السياسي الأفريقي على المستويين الإقليمي والدولي، الذي زاد أهمية أفريقيا في مضمار الصراعات الدولية التي ما تفتأ تتجدد.
في عام 2003، أعلنت الحكومة التركية استراتيجيتها تجاه أفريقيا، والتي تضمنتها وثيقة عنوانها “استراتيجية تطوير العلاقات مع أفريقيا”، وبدأت في تنفيذ هذه الاستراتيجية من خلال زيادة انتشارها الدبلوماسي، حتى بلغ عدد سفارات تركيا في أفريقيا 44 سفارة.
ولحماية هذه المصالح الاستراتيجية التي نشأت بين الأطراف، أتاحت تركيا فرصاً كبيرة للطلاب الأفارقة في الجامعات التركية، وقدمت لهم المنح لتلقي تعليم جامعي، فخرجت آلاف الشباب من جامعاتها، واستمرت في إتاحة مئات الفرص سنوياً.
في مقال نشره وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو بعنوان “الاحتفال بيوم أفريقيا” بمناسبة “يوم أفريقيا” الموافق 25 مايو/أيار من كلّ عام، لخص الوزير حصاد استراتيجية بلاده في نهاية عقدها الثاني في الآتي:
– علاقات تركيا مع دول القارة الأفريقية تتطوَّر بشكل سريع ومستقر. وقد أكّد أن الحفاظ على سلام القارة واستقرارها وأمنها مسؤولية مشتركة.
– حجم التبادل التجاري بين تركيا ودول القارة الأفريقية خلال العام الماضي بلغ 34.5 مليار دولار.
– تركيا باتت “مركزاً أفريقياً” نتيجة عمق العلاقات والتوافد الكثيف للطلاب ورجال الأعمال الأفارقة إليها خلال الأعوام العشرين الماضية.
– القارة الأفريقية بشعبها الفتي والديناميكي ومواردها الهائلة وثقافتها وتاريخها تعِدُ بإمكانيات هائلة لعالم أكثر عدلاً وإنصافاً وأفضل في القرن الحادي والعشرين، وبلاده تولي أهمية بالغة لتعزيز علاقاتها مع دول القارة الأفريقية على كل الصعد والمجالات.
– الدول الأفريقية تعتبر تركيا شريكاً موثوقاً وصديقاً مقرباً.
– عدد الطلاب الأفارقة الذين يواصلون تعليمهم في الجامعات التركية بمساهمة من المنح التي تقدمها أنقرة لهم يزداد كل عام.
– السعي للحفاظ على السلام والاستقرار والأمن في أفريقيا مسؤولية مشتركة.
من جانب آخر، عزز رئيس دائرة الاتصال بالرئاسة التركية فخر الدين ألطون ما جاء في مقال وزير الخارجية مولود جاويش أوغلو، وذلك في مقال كتبه لصحيفة “Bes Bi-Le Jour” السنغالية بمناسبة يوم أفريقيا، نُشرت يوم 30 من الشهر المنصرم، بعنوان “معاً نبني مستقبل تركيا وأفريقيا”، وقال فيه:
– تركيا وقعت مع الدول الأفريقية العديد من الاتفاقيات التجارية والاقتصادية والسياسية.
– نفّذ رجال الأعمال الأتراك والمنظمات التركية غير الحكومية العديد من المشاريع في القارة الأفريقية، بلغت قيمتها 75 مليار دولار.
– تركيا قدّرت القوة الصاعدة لأفريقيا خلال السنوات الأخيرة. لذا، قمنا باستثمارات في جميع أنحاء القارة. وقد ازدادت أهميتها الاستراتيجية خلال الفترة الأخيرة بشكل كبير.
– تركيا باتت قوة صاعدة في العالم، وهي تعطي الأولوية لإقامة شراكات منتجة ودائمة مع مناطق ودول أخرى، في الوقت الذي تحتل المنافسات الجيوسياسية والصراعات الإقليمية والحروب التجارية جدول أعمال القوى العظمى.
– سياسة تركيا تجاه دول القارة الأفريقية تستند إلى العلاقات التاريخية المتميزة بين الجانبين.
– تركيا تسعى جاهدة لترسيخ التفاعل بينها وبين الشعوب الأفريقية الصديقة، من خلال زيادة عدد الرحلات الجوية وبرامج التبادل الثقافي والدبلوماسية العامة.
– التضامن والتعاون والتنسيق بين تركيا وأفريقيا من أهم العوامل لتحقيق التنمية والسلام والاستقرار والازدهار لشعوب المنطقة والعالم.
وعت دول عظمى وكبرى أهمية أفريقيا الاستثنائية، وعرفت أهميتها الاقتصادية والسياسية. ومن بين هذه الدول الصين وروسيا وتركيا والكيان الصهيوني، فسعت كل منها إلى التغلغل في هذه القارة والاستفادة منها على أكثر من صعيد، وأولتها اهتماماً بالغاً، غير أنَّ الدول العربية التي يقع أكثر من ثلث أقطارها في القارة السمراء لم تعِ بعد أهمية أفريقيا وصلتها التاريخية بها، ولم تدرك أنها العمق الاستراتيجي الوحيد للعرب، وأن الشراكة مع دولها فيه تحقيق لمصالح استراتيجية عربية لا تخطئها عين، بل إن الدول العربية لم تنتبه إلى أنَّ التعريب الثقافي واللغوي لأفريقيا أمر ممكن جداً، وأنه يجعل العرب الكتلة الديموغرافية والحضارية الأولى في العالم، وهو ما يعني تعظيم القوة العربية، وتعظيم علاقاتها البينية، وتعزيز دورها الدولي أكثر مما يتصور العقل العربي الحاكم، وهذا ما يجب أن تنتبه إليه النخب والشعوب العربية لتعمل على تحقيقه.


