بايدن يعترف بمحمد بن سلمان.. الأثمان المتوقّعة

منذ الحرب العالمية الثانية، تحوّلت السياسة الخارجية الأمريكية من الانعزالية التي فرضها الكونغرس الأمريكي على الرئيس ويلسون بعد مؤتمر فرساي عام 1919 إلى تدخلية تستهدف الحفاظ على المصالح القومية الأمريكية وفق مفهوم الهيمنة العالمية التي سعت إلى احتواء الاتحاد السوفياتي السابق، وعدم تمكينه من التوسع في البلدان النامية، وخصوصاً تلك التي تختزن مصادر طاقة استراتيجية.
ووفق اتفاق كوينسي الذي تم التوصل إليه في 14 شباط/فبراير 1945 بين الرئيس الأميركي روزفلت والملك السعودي عبد العزيز بن سعود، والَّذي ينص في وثيقته المعلنة على ترتيب الأوضاع الداخلية للبلدان العربية في ظلّ أزمة الهجرة اليهودية التي زادت حدتها في تلك الفترة، تم التوافق على أن تضمن الولايات المتحدة الأميركية استقرار المملكة العربية السعودية، من خلال ضمان المحافظة على حكم آل سعود، في مقابل ضمان المملكة العربية السعودية الجزء الأكبر من إمدادات الطاقة للولايات المتحدة الأميركية.
وعلى الرغم من الاهتمام الأميركي المميز بالمملكة العربية السعودية، نتيجة احتياطاتها النفطية وقدراتها الإنتاجية المؤثرة في السوق العالمية، إضافةً إلى دورها في التأثير في الممالك الخليجية والدول العربية، معطوفة على موقعها الإسلامي الرمزي، لمصادفة وجود الحرمين الشريفين في أراضيها، فإنَّ الإدارات الأميركية لم تجد لديها الإمكانات والمقدرات التي تكفيها لتحقيق أهدافها الاستراتيجية، إنما اعتبرت أنّ الكيان الإسرائيلي، من خلال موقعه وقدراته وفعاليته، يشكّل الرافعة الأساسية الموازية لتحقيق مشاريعها وضمان عدم ظهور أي إمكانية لوحدة عربية أو تكامل وظيفي عربي على الأقل.
وحين اتخذت إدارة أوباما قرارها بالانكفاء التدريجي من الميدان، والاكتفاء بتقديم الدعم اللوجستي للحلفاء الإقليميين من أجل ضمان المصالح الاستراتيجية المشتركة، وحاولت التوصل إلى اتفاق يضمن سلمية البرنامج النووي الإيراني، لم تتوانَ المملكة السعودية عن التعبير عن رفضها هذا القرار، ومحاولة فرض رؤيتها، إذ يمكن تقديم الحرب المستمرة على اليمن وإظهار الدور الإيراني في المنطقة كمسبب لعدم الاستقرار، إضافة إلى استعداد المملكة للانخراط في مشاريع كانت محكومة في السابق لشروط قاسية، كالتطبيع مثلاً، في إطار المحفّز لبقاء الولايات المتحدة النشط في المنطقة، حيث يمكن أن يؤدي انكفاؤها إلى فقدان المملكة السعودية مظلتها الأمنية والدولية.
وإذا كانت إدارة أوباما قد ساهمت في تحفيز المملكة العربية السعودية، ودفعها إلى الانفتاح على الكيان الإسرائيلي، كوسيلة يمكن من خلالها تخطي عقبات الانكفاء الأميركي من المنطقة، فإنَّ دونالد ترامب ساهم في إظهار الصورة الحقيقية لطبيعة الموقع الذي يفترض بالمملكة أن تسعى إليه.
وإذا كانت المملكة حتى اليوم امتنعت عن التوقيع على اتفاقية تطبيع علني مع الكيان، فإنّ عدداً من الأحداث يؤكد انخراطها في العلاقة مع الكيان، فالزيارات السرية بين الجانبين، ذات المستويات الأمنية والاقتصادية، والسماح لطائرات العال الإسرائيلية بالمرور في أجواء المملكة، إضافة إلى التنسيق الأمني الضروري لنقل السيادة على جزيرتي تيران وصنافير من الجمهورية المصرية إلى المملكة، تندرج كلها في هذا الإطار.
وبما أنَّ إشكالية النقص في المعروض من النفط لا تتعدى حدود الإشكالية الآنية التي من الممكن حلها، ولو جزئياً، عبر إمدادت غير سعودية، فإنَّ تنازل جو بايدن وقبوله بزيارة المملكة يتعدى ثمنه زيادة الإنتاج النفطي السعودي، إذ يُفترض أن ثمن تعويم ولي العهد أمريكياً لا يجب أن يقلّ عن مكسب استراتيجي لا تقل أهميّته عن اتفاق سعودي إسرائيلي لتطبيع علني للعلاقات بين الطرفين.



