“وكر السلمان” … رواية استقصائية بوقائع سياسية مكتوبة بلغة شعرية

المراقب العراقي/ المحرر الثقافي…
يرى الناقد احمد عبد المجيد أن “وكر السلمان” للروائي شلال عنوز ليست رواية واقعية، برغم ان شخوصها يحملون هويات وسمات واقعية، تعززها بيئة اعمالهم ومهنهم وانتماءاتهم المناطقية، مبينا انها رواية استقصائية بوقائع سياسية غرائبية مكتوبة بلغة شعرية .
وقال عبد المجيد في قراءة نقدية خص بها” المراقب العراقي”: عشت اجواء الحرب العراقية الايرانية او استعدت وقائع الدم فيها، وانا اطالع (وكر السلمان) بصفحاتها الـ219.وادركت حجم مآسيها وثقل اوزارها ليس على الشعب وحده، حسب، بل على بيئة رواية ظلت مثقلة بالتداعيات الناجمة عن الحرب، حتى ادركت ان الصديق شلال عنوز خاض غمار معاركها او تنقل في جبهاتها، مقاتلا، مرغماً او مكرهاً ، واستوعب الاثار المترتبة على استمرارها. وقد دخلت بعض الوقائع السياسية لخلفية هذا الاستمرار في السرد الروائي، مثلما فرضت اسماء قادة وعناوين وأحدات عسكرية نفسها في حوارات الابطال.
وأضاف :ومع ذلك فانه من المتعذر جدا تصنيف هذه الرواية او معرفة انتمائها الى صنف روائي شائع في السرد الادبي. فـ(وكر السلمان) ليست رواية واقعية، برغم ان شخوصها يحملون هويات وسمات واقعية، تعززها بيئة اعمالهم ومهنهم وانتماءاتهم المناطقية ، وان اجواءها لا تبتعد ابدا عن بيئة محلية تزوّدهم بالتناقض والتوافق والتعارف وصلة القربى.
وتابع :وحاولت ان اصنف الرواية هنا مع ما قرأته في حياتي من روايات ، فلم اجد اي مشتركات تجمعها فهي لا تقترب من روايات اجاثا كريستي التي اشتهرت في عقد الخمسينيات والستينيات، بوصفها تصنع عقدة وتسعى طيلة صفحات الرواية الى فكها في نهاية لم تخطر على بال احد.كما حاولت وضعها الى جانب روايات واقعية كثيرة قرأتها، بعمق، كالتي تتشكل منها المكتبة السوفيتية عبر كبار رموزها، لكني اخفقت ، مع ان الحرب سمة تتكرر في معظم روايات الحقبة السوفياتية . واستدركت فلجأت الى اقرب الروايات التي انشغلت بها خلال الحظر الصحي بسبب تفشي جائحة كورونا ، لكني لم اجد خطوطا او خيوطا تجمع (وكر السلمان) بها، ورأيت ان الادب الاوروبي ولاسيما في مجال السرد ، اختط نمطا في البناء الفني يندرج تحت ما اسميه (الرواية الاستقصائية)، وبين يدي منه روايتان للفرنسي غيوم ميسو بعنوان (حياة الكاتب السرية) و(شقة في باريس) ، وروايتان للاسباني كارلوس زافون بعنوان (ظل الريح) و(سجين السماء) ، وكلها تستقصي اثر جرائم وقعت واشخاص تدور حولهم الشبهات واجواء تزكم الانوف ملطخة بالدم والتراب والقلق والموت. ولا أعرف ان كان ميسو قد سار على النهج ذاته في روايته التي بين يدي (هل ستكون هنا؟)، فما زلت عاكفاً على قراءتها ورأيت انها تترجم، ربما، قول وودي آلن (أنا مهتم بالمستقبل، ففيه أنوي ان أقضي سنواتي المقبلة).
وواصل :هل ثمة خصوصية في رواية (وكر السلمان) ، التي ارى ان الروائي كان عليه تسميتها (وكر الشيطان) ، دلالة على تلونات المجرم واساليبه في استدراج الضحايا وطبيعة الادوات التي استخدمها ، فضلا عن ان هذا العنوان يبرئ قضاء (نقرة السلمان) من احد أفرادها، وهو نعمان خريج كلية الحقوق، الذي يظهر اعلى قدر من الانسانية في وقت يعيش في داخله شيطان رجيم. واقول ان خصوصيتها قد تكمن في غرائبية البيئة العامة المتخيلة في الرواية او قد تكمن في لغتها المنسابة المفعمة بالتوصيفات الشعرية والمشاعر العاطفية ودفء العلاقات بين نعمان وزميلته في الدراسة سناء، التي تحولت الى حبيبة خلال سنوات الجامعة وخطيبة ثم ضحية له.
وأوضح ان شلال عنوز صنع وكر السلمان واغلقه بيده ، ورسم مصائر ضحاياه بيد نعمان، لكنه سرعان ما وصل الى المصير الذي يلقاه كل مجرم على وجه الارض ، الا ان شلال عنوز، كان عجولا في رسم هذه النهاية ، ولم يلتزم بالقاعدة القانونية التي ترى في القصاص عقوبة انصاف بحقه وانتصاراً لدم ضحاياه، الذين ظلت قطرات رطبة ويابسة منه مسفوحة على ارض الوكر، لاتدرك بشاعتها سوى قطة سوداء غالبا ما تحوم بين ارجل نعمان الذي لا يكف الروائي عن الايهام بوصفه، بالمثقف والخريج الجامعي المتفوق وقد استخدم اسلوب التعزيز في ذلك من خلال وضع نصوص ادبية وقانونية وسياسية على اقواله في الحوارات مع زملائه في الكلية وبعد انخراطه جنديا في الخدمة العسكرية، وغالبا ما كانت ترد كاستشهادات ضمن اقوال لروائيين عالميين مقتطفات كالبرازيلي اكيلو راولو ، الذي قرأت له شخصيا خمسا من رواياته بدءا من الجاسوسة مرورا بالهيبي واحدى عشرة دقيقة ، وانتهاء برامي السهام التي لم ترق لي، برغم انطواء فكرتها على الحكمة والايثار.
وبين :كنت اتوقع أن يحظى القاتل بالقصاص على ضوء الادلة والبراهين التي استحضرها النقيب جاسم، أحد اقرباء نعمان في مركز شرطة السلمان، لكن شلال عنوز ايقظنا من سبات توقعنا ، الذي هو بمثابة ايمان راسخ في نفوس الاسوياء من بني البشر. ورأى ان يترك مصير او نهاية نعمان الى خيار هذا الاخير، وينهي الرواية بالقول (وقد لمح الرعاة شبحا على اطراف المدينة ، يركض صوب الصحراء ، ولم يفقهوا سره، راح يختفي عن البصر، تلاشى بين الكثبان).
وختم :لا أميل الى ترجّل الشاعر من عليائه ليسرد لنا خيالا او يسترجع ذكرى، برغم ان البعض يرى أن عصرنا هو عصر الرواية.



