أنور سلمان.. رَغَدُ الكلاسيكيةِ ورُشْدُها

الحسام محيي الدين..
تمضي ستُّ سنواتٍ على رحيل أنور سلمان (1938 – 20 نيسان/إبريل 2016) الشاعر اللبناني الذي قَبِلَ التّحدي من بين من ثبتوا أو زالوا عن مشهد الشعرية العربي منذ موجة الحداثة الجامحة في منتصف القرن الفائت وحتى سنوات قليلة، متلبثّاً على القصيدة الكلاسيكية المتألقة إيقاعاً ولغة، ومدافعاً عن فلسفة مصطلحاتها الخاصة التي اشتقها من مناجمها البلاغية الغنية في الأدب، رافضاً بشراسة أنْ تكون مجرد اصطلاحاتِ صعلكةٍ بلاغية اعتباطية بائدة، ولا أدواتٍ ميتافيزيقية مكررة في مدونات اتجاهات الشعر المعاصر بأنواعه، بل منظومة معيارية سادت في الموضوع والفلسفة والأسلوب بالتوازي، لا بالتناغم ضرورةً، مع غيرها من ظواهر التجارب الحديثة. مع أنور سلمان لا يمكن فهم الكلاسيكية فهماً اصطلاحياً، إحصائياً، يقومُ على التراكم الكميّ، العدديّ، في التنظير والمصطلح والشعارات الأدبية، ولو امتدّتْ بها عصورٌ من الممارسة والتقدم على غيرها من الظواهر الشعرية، إنما ينبغي بناؤها على وَعْيِ وترجمةِ ما يحصلُ من تغيراتٍ بِنيويةٍ اجتماعيةٍ، تشكّلتْ توّاً معها في المكان والزمان وجعلت منها أُسّ المَقُول الوجداني للمجتمع. بهذا المعنى لم يكن سلمان قاسياً حين اعتبرَ أن «كلّ محاولة تدّعي الشِّعر، خارج التفعيلة والوزن ليستْ شِعراً، فلا شِعر بلا موسيقى، مهما توهّم أصحاب هذه التجارب التي لن يكتب لها النجاح ولو بعد مئات السنين» قارناً القول بالموقف:
أطلَّ علينا بسِحرِ بيانٍ إليه المعاني مشتْ حافيه
حسبناه شعلة فكر مضيء سنبني بها نهضةً ثانيه
فَسِرنا صعوداً إلى قِمّةٍ لكن وصلنا إلى هاويه
صحيح أن سلمان الشاعر جايلَ مواقف التطور للجيل الحداثي الثاني، فعلاً وتفاعلاً، لكنه تميز عنها بلونه الخاص وصوته المتميز، فلم تظهر عليه ولا استطاعت إلغاءه بما هو طاقة شعرية عتيدة حافظت على الخط الكلاسيكي الرشيد الذي انبسطتْ فيه فنية التكثيف والوضوح معاً، وحسن توظيف المفردات في العبارة الواحدة، وإنْ أوغلَتْ بعض الشيء في سديميةٍ رؤيوية، ما حفرَ به عميقاً تأثراً بالحالة الجماهيرية العربية في مشاكلها القومية الكثيرة والكبيرة منذُ نكسة عام 1967 وليس انتهاءً بحرب لبنان الأهلية الأليمة أو حروب «إسرائيل» عليه. من هنا لطالما أكد أنور سلمان أنّ الشِّعر ليس أول منتجٍ تخييلي عند الإنسان وحسب، إنما هو أيضاً رائد المُنجزات التي تخدم إنسانية الإنسان بما هو نواةُ الأمّة وظهيرُها، في أحوالها كافة، وضميرُها الثقافيّ الأول – وليس فقط ديوانها – الذي يؤرّخُ أحاسيسها ويرسم هويتها الصحيحة، وهو صوتها الملحميّ الصَّلب الذي ينهضُ بها وتكبرُ به كلما غنّاها وطناً وقومية، بالرؤى والأفعال، وبلون الحرية الحقيقي الذي هو الأحمر، والذي يغسلُ أرضها حتى تبلغ غراسُ الحرية حدّ النضوج. يقول سلمان:
لكِ عند هذا الشّرق عزّةُ مِنبري… لكِ خفقُ أشرعةٍ بجفن الأعصُرِ
كم ألبسوكِ من الجراح مطارفاً… وبقيتِ فصلاً مِنْ ربيعٍ مُزهرِ !
لي كبرياؤكِ يا بلادي رايةٌ… مزروعةٌ ألوانها في مِحجـــري
وعلى جفوني ليلُ أرزكِ مورقٌ… كقصيدةٍ كُتِبتْ بضوءٍ أخضـــرِ
ودفاتري أوراقُ عشقٍ كلما… غنّيتُها لَوَّنْتُها بالأحمـــــــــرِ !
وإلى الوطن، كان أكثر ما تمظهرت به أحاسيس هذا الرجل الباذخ التجرد في ثيمتَي الحبّ، والمرأة، ما جمع فيه رؤى جمالية تبتكر النقاء في لُغةٍ ضمن اللُّغة بمعناها المستقل، الذي يبتعد في التعبير من العادي إلى غير العادي .



