“هناك آذارُ آخر” رواية تؤرشف جرائم النظام البائد ضد العراقيين

المراقب العراقي/ المحرر الثقافي…
يرى الناقد ثائر البياتي أن رواية “هناك آذارُ آخر” للأديب علي الوائلي تؤرشف جرائم النظام البائد ضد العراقيين.
وقال البياتي في قراءة نقدية خص بها” المراقب العراقي”: تبقى الأحداث الجسام ندبة في القلب والذاكرة ، وتبقى تداعياتها تتناسل ، بتناسل السنين والبشر ، ولأن التاريخ عادة يكتبه الطغاة بما يجمل طغيانهم ويخفي خستهم ؛ ينبري الفنان والأديب لاستنطاق المسكوت عنه ، وكشف الحقائق ، وفضح الزيف ، بكتابة التاريخ الحقيقي ، التاريخ الذي يسطره المهمشون بدمائهم ، والمظلومون ، ضحايا الدكتاتوريات والاستبداد ، لكن للفنان والأديب رقة ، ورهافة إحساس ، ونزعة أصيلة للجمال والخير ، وعداء لا يقبل المساومة ، وعصي على الكبت والقمع ، فيكتبون التاريخ الحقيقي بفيض إنسانيتهم ، وعشقهم للإنسان وللحياة ، فتأتي فنونهم وكتاباتهم مفعمة بالصدق ، والأمانة والأنصاف ، بادوات وتقنيات فنية ، وصور مؤثرة ، يتداخل فيها الواقع بالخيال ، والماضي بالحاضر ، لتكتمل الصورة بكل تفاصيل الحياة ، من الشر والخير ، والظلام والضياء ، و واحدة من هذه الأحداث ، بل الكوارث الجسام ، في تاريخنا المعاصر ، هي مجزرة ( حلبچة) ، التي نفذها دكتاتور العصر ، في محاولة رعناء خسيسة ، لإبادة جزء أصيل وعريق من الشعب العراقي ، مع إن ديدنه التنكيل ومحاولات الإبادة المستمرة ، لكل من ينتفض بوجه الاستبداد والظلام ، يسردها علينا – أي المجزرة- الأديب ( علي الوائلي)..
وأضاف: بدءا من لحظة القصف بجمل متوترة تلائم بشاعة الحدث ، و وصف مقتضب يلائم سرعة الهجوم المروع ، لينتقل إلى ما جرته جريمة العصر من تداعيات ، هي حياة كاملة ، لضحايا لا أكثر منهم براءة ، طفلان في أول أيامهما في الحياة ، وبسالة أب قل نظيرها ، ليأخذنا في سلسلة من الوقائع الحقيقية والأحداث الواقعية ، بربطها ببعضها بمصادفات خيالية ، حدوثها في الواقع ضئيل جدا لكنه وارد ، وضروري لشد نسيج الرواية ، والحفاظ على القاريء يقظا ، مستفز الحواس ، متلهفا لمتابعة القراءة .
وتابع: من الواضح أن الأديب أراد لها – أي الرواية- أن تكون عصرية ، مكثفة وقصيرة ، لأن بإمكانه أن يستفيض أكثر لتمتد إلى مائتين أو أكثر من الصفحات ، و واضح جدا أنه يسعى للخير والجمال بالتركيز على أصالة شعبنا ، ونسيجه القوي المتين ، والشهامة والمروءة والشجاعة ، التي يتميز بها الشعب العراقي ، فلا أحد ينظر للهويات الفرعية ، بقدر إهتمامه بالهوية الكبرى التي تجمعنا ، متنقلا بنا من شمال الوطن إلى جنوبه ، كاشفا عن القلق والمكابدة ، والرعب الذي ينتهجه الحكم الشمولي آنذاك .. لا أريد الإسهاب في الشرح والتفاصيل ، كي لا أفسد متعة القراءة ، وكي لا أبطل مفعول المفاجآت ، لذا سأنتقل مباشرة إلى النهاية ، التي تركها الأديب مفتوحة لخيال القاريء ، ليكملها القاريء بنفسه ، وهذا ما يزيد من شد القاريء ويزيد تفاعله .
وأوضح: أن الرواية تنتهي بانفراج على أمل يشوبه التوجس ، مما أثار في نفسي توقعات متناقضة ، نظرا لما آلت إليه حياتنا ، بعد طول قهر ومعاناة ، والكثير من المأساة ، لنجد أنفسنا في خضم اضطراب، وارتباك وخيبة أمل ، وضبابية حجبت الرؤية ، وجعلت مستقبلنا على كف عفريت ، بجملة مزدوجة المعنى والإشارة ، وفي رأيي أضفت على الرواية طاقة مضاعفة ، هذه الجملة هي ( موعدنا في آذار ) ، وهي إشارة ذكية إلى أن الجرح لم يندمل بعد ، فالعالم يمور في لجة مخيفة ، تصب حممها علينا من كل صوب ،و آذار شهر ( الهزائز والأمطار ) ، مما يجعلنا نترقب الموعد بتوجس ، فهل هو انفراج على حياة هادئة كريمة ؟ أم كارثة وشيكة ؟ .. بالتأكيد سيظل الأمل قائما ، والخير قائما ، وسيظل العراق شامخا بشعبه الأصيل ، ولابد من الاستقرار ولو بعد حين ، لكننا في دوامة نخشى عواقبها ، مع كل إيماننا وعملنا على أن يكون الغد أفضل ..
وختم بقوله: أشد على كف صديقي الأديب ( علي الوائلي ) ، لسرده وتوثيق جريمة العصر التي مازلنا نعاني تداعياتها.



